{يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ} [النساء: 48] قائلا: «فإن قلت: قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قوله تعالى: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مََا دُونَ ذََلِكَ لِمَنْ يَشََاءُ} [النساء: 48] قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجّهين إلى قوله تعالى: [لمن يشاء] كأنه قيل: إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك. على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب» [1] ومنه ما ذكره في تفسير الآية: {فَذُوقُوا بِمََا نَسِيتُمْ لِقََاءَ يَوْمِكُمْ هََذََا} [السجدة: 14] ذوقوا العذاب الدائم في جهنم بسبب فعلكم المعاصي والكبائر [2] . ولئن حكّم المعتزلة العقل هنا فإن الأمر سمعي عند أهل السنة يعوّلون في أدلة المعصية على القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويعدّونها قطعية، ويعتقدون أن المؤمن العاصي يدخل الجنة لوعد الله تعالى، ووعده صادق، وبنوا ذلك أيضا على أن أصل الاعتقاد راسخ والعوارض تزول ويعفى عنها وتغفر. ومن الأحاديث الشريفة التي يذكرونها في هذا المقام ما روي عن أنس قال: قال رسول الله: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» [3] . وعلى آية حال فإن المسلمين مجمعون على تخليد الكافر في النار وعلى تخليد من مات مؤمنا بغير ذنب في الجنة. أما من تاب على توبته فرآه جمهورهم لاحقا بالمؤمن الذي لم يقترف ذنبا. وجعله بعض المتكلمين في مشيئة الله تعالى. وقد جعل الخوارج من مات مذنبا بصغيرة أو كبيرة مخلدا في النار غير أنه في الجنة بإيمانه عند المرجئة لا تضرّه سيئاته. وخلّده المعتزلة في النار إن كان صاحب كبيرة إلا أنه في المشيئة لدى أهل السنة إذا أراد الله غفر له وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، وأخرجه من النار بعد ما كان مخلدا فيها، وأدخله الجنة [4] .
(1) الكشاف: ج 1، ص 554532.
(2) م ن، ج 3، ص 243.
(3) سنن الترمذي، ج 4، ص 625رقم، 2435وانظر شرح العقيدة الطحاوية، ج 1، ص 260وما بعدها.
والغزالي أبو حامد (ت 505هـ) ، معارج القدس في مدارج معرفة النفس، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط 2، ص، 153والقنوجي صديق بن حسن بن علي، يقظة أولى الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار، ص 117، 184، 187. وابن القيم أحمد بن إبراهيم بن عيسى (ت 1329هـ) ، شرح قصيدة ابن القيم، ج 1، ص 259. وسليمان بن عبد الله بن محمد (ت 1233هـ) شرح كتاب التوحيد، ج 1، ص 52.
(4) انظر أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، ج 3، ص 670.