فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 451

وفي الآية: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئََاتِ حَتََّى إِذََا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قََالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفََّارٌ} [النساء: 18] يسلك الزمخشري طريق الاعتزال، فهو يرى في قوله تعالى تسوية في عدم قبول توبة من سوّف على حضرة الموت وبين من مات على الكفر لأن حضرة الموت إلى أحوال الآخرة، فالميت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، وكذلك المسوّف إلى حضرة الموت أو قربها فقد جاوز كل واحد منهما أوان التكليف والاختيار [1] في العلم بالله الذي يرى المعتزلة أنه يجوز أن يكون في دار التكليف نظريا بيد أنهم يزعمونه في الآخرة ضروريا، وإن صار العلم بالله ضروريا سقط التكليف. وعندهم أن أهل الآخرة لأجل مشاهدتهم أهوالها يعرفون الله بالضرورة فلا تكليف إذن. ومثل ذلك إذا حصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار [2] . غير أن بعض المفسرين رأى القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة «لأن جماعة من بني إسرائيل أماتهم الله ثم أحياهم وكلّفهم، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف، ولأن الشدائد التي تلقاها عند قرب الموت ليست أكثر مما تلقاها بالقولنج والطلق وغيرهما، وليس شيء من هذه يمنع من بقاء التكليف فكذلك تلك. ولأنه عند القرب يصير مضطرا فيكون ذلك سببا للقبول ولكنه تعالى يفعل ما يشاء، وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات وبعدله أخبر عن عدم قبولها في وقت أخر وله أن يجعل المقبول مردودا والمردود مقبولا» [3] . وقوله عز وجل: {لََا يُسْئَلُ عَمََّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء: 23] ردّ على المعتزلة حين ادعوا سقوط التكليف إذا صار العلم بالله ضرورة وفي دعواهم أيضا أن مشاهدة أحوال الآخرة يوجب العلم بالله على سبيل الاضطرار [4] .

ويسوي بين الشرك وما دونه من الكبائر في أنها لا تغفر إلا بالتوبة وأن الله لا يشاء أن يغفرها إلا للتائبين وذلك حين فسر قوله تعالى: {إِنَّ اللََّهَ لََا يَغْفِرُ أَنْ}

(1) انظر الكشاف، ج 1، ص 513.

(2) انظر، أبو حيان، البحر المحيط، ج 3، ص 564.

(3) م ن، ج 3، ص 564.

(4) م ن، ج 3، ص 564.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت