وارتأينا نحن في هذا الإطار أن نحدّد موضوع بحثنا بأن نتتبع التأويل بالمفهوم الذي حددناه سابقا وهو الاجتهاد في التفسير بين المعتزلة وأهل السنة أو قل التفسير بين المعتزلة وأهل السنة متخذين من كشاف الزمخشري رافدا لنا مبيّنين كيف سخّر اللغة على مستويات المعجم والصيغ، وكيف وظّف النحو في خدمة الفكر الاعتزالي، وكيف حمل التأويل على التشبيه والمجاز، وكيف اعتمد على الاستدلال العقلي والاستدلال المبني على نص القرآن الكريم ذاته. وهل كان في ذلك كله ممن اعتدل أو تطرف؟ وكان مبعث رغبتنا كذلك إدراكنا أن هذا الموضوع
يمثل جانبا من جوانب المنهج النقدي الذي يعني بالاتجاهات المذهبية والوجدانية في تاريخ الفكر الإسلامي ويقصد تمحصها وتحليلها ونقدها. وقد حصرنا عنوان البحث في «التأويل في التفسير بين المعتزلة وأهل السنة كشاف الزمخشري رافدا» .
فهو ذو صلة واضحة بالتفسير الاعتزالي، لذلك ستقودنا الدراسة إلى بسط عوامل نشأة المعتزلة وتبيين تسميتهم اللصيقة في أغلبها بأصولهم الخمسة التي سنعكف علي دراسة التأويل فيها في ردود أهل السنة عليهم. وقد قدّمنا بعض النماذج للزمخشري عند بحثنا التفسير في إطار الأصول الخمسة رغم تخصيصنا الباب الثاني من هذا البحث له، وقد قصدنا هذا لأن الطرح المراد بالتفسير في إطار تلك الأصول يشمل المعتزلة كلهم، ولا ريب في أن الزمخشري أحد أعلامهم البارزين. لذا لم نستسغ استثناءه وتأجيله، فذكرنا له بعض النماذج. ولمّا كان منهجهم مبنيا على عدم الكلام رأينا من الأفيد إبراز أسس هذا العلم وتوضيح الأدلة المبنية على العقل والنقل والتأويل. وجعلنا الدراسة تتجه في إطار ذلك كله إلى التأويل بين المعتزلة وأهل السنة، ورافدنا في ذلك كشاف الزمخشري مبرزين كيف انتصر لأصوله ومذهبه من خلال توظيف اللغة والقراءات ونص القرآن الكريم، والاستدلال العقلى، والحمل على التشبيه والمجاز معتمدين على المنهج الوصفي القائم على جمع المادة، وتصنيفها ووصفها، واستقراء نصوصها، وكشف منطلقاتها وإمعان النظر في وجهاتها وأهدافها مع تحليلها ونقدها.
وقد قسمنا البحث إلى بابين: نظري، وتطبيقي.
الباب الأول: الفكر الاعتزالي: يقع في ثلاث فصول: الأول: في التفسير والفرق الإسلامية: وهو فصل تمهيدي نبحث فيه معنى التفسير ومراحله، والفرق بينه وبين التأويل محددين مرادنا من التأويل الذي نقصد به معنى الاجتهاد وإعمال الرأي. ولا ريب في أن هذا يجعلنا نعرض أنواع التفسير:
التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي الذي هو اجتهاد، وما يتفرع إليه من تفسير ممدوح وتفسير مذموم، بني الأول على شروط علم التفسير غير المتعارض مع الكتاب والسنة وأسس الثاني على أصول اعتقدها أصحابها ودأبوا إلى إخضاع النص
القرآني إليها. وستقودنا الدراسة إلى بحث ظهور الفرق الإسلامية وعواملها مرجحين الأسباب التى رأيناها فيها بأنها سياسية ذات مسحة دينية تمحورت كلها حول الخلافة.