وليس المراد بهذا الكرم أنه لا يقيم بيتا لأن ذلك تكرر عليه مع صحة العقل والسمع بعد ألا يحفظه.
ألا ترى أن الصغار منا ومن يقرب من الأطفال قد يحفظون ذلك ويؤدونه.
والبيت الواحد يكون شعرًا إلا أن قائله لا يكون شاعرًا كما أن من بنى مفحصًا ودرجة ومعلفًا ونحو ذلك مما يقل يقال له بناء.
إلا أن فاعله لا يقال له بناء كما أن من أصلح قميصًا لا يكون خياطًا وإن كان ذلك الإصلاح خياطة.
ومن ذلك قوله تعالى:"وحرمنا عليه المراضع"أي: ثدي المراضع.
قال أبو علي: في الآية يجوز أن يكون جمع المصدر كأنه جمع مرضعًا مراضع.
ويجوز أن يكون جمع المصدر كأنه جمع مرضعًا مراضع على أنه صفة للمرأة مثل مطفل ومطافل فيكون التقدير: ثدي المراضع.
وعلى الوجه الأول: وحرمنا عليه الإرضاعات.
ومن ذلك قوله تعالى:"واسأل القرية"أي: أهل القرية.
كما قال:"فليدع ناديه"أي: أهل ناديه.
ومن ذلك قوله تعالى:"ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا"والتقدير: على موطئ عقبيه فنكص عليهما فلم يسلك الصراط السوى فحاد وزاغ عنه وزال فإنما ذلك عليه لن يضر الله بذلك شيئًا.
ومثله:"انقلبتم على أعقابكم"أي: على مواطىء أعقابكم.
ومن ذلك قوله تعالى:"من شر الوسواس الخناس"أي: من شر ذي الوسواس فحذف المضاف.
قال أبو علي في الآية: فاعل يوسوس من قوله الذي يوسوس في صدور الناس: الجنة.
وذلك أن أبا الحسن يقول: إن قوله من الجنة والناس متعلق بالوسواس كأنه: من شر الوسواس من الجنة والناس.
وإذا كان كذلك ففاعل يوسوس هو اِلْجنَّة ولا يمتنع ذلك وإن كان لفظ الجنة مؤنثا لأن معنى الجن والجنة واحد.
والعائد على هذا إلى الموصول الهاء المحذوفة أي: الذي يوسوسه فحذف.
فإن قلت: إن في هذا إضمار قبل الذكر كما أن: ضرب غلامه زيد كذلك.
وإن شئت كان وإن شئت قدرت في الوسواس فيكون العائد إلى الموصول ذكر الفاعل في يوسوس: ولا تضمر الهاء كما أضمرت في الوجه الآخر.