الصفحة 105 من 291

وكان قسم منهم يسافر دوما , ولذلك سمو بالسياحيين كما قال الكلاباذي:

(ولكثرة أسفار سمّوا: سياحين , ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية. والشكفت بلغتهم الغار والكهف) [1] .

وقد ذكر أصحاب الطبقات وكتب الصوفية أحوال الكثيرين منهم.

فيذكر أحد الصوفية القدامى الهجويري عن أبي عثمان المغربي:

(أنه في بداية حالة أعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدميا , حتى ذابت بنيته من المشقة , وصارت عيناه كسّم الخياط , وتحول عن صورة الآدميين , وجاءه الأمر بالصحب بعد عشرين عاما , وقيل له: أصحب الخلق. فقال لنفسه: فلأبدأ بصحبة أهل الله ومجاوري بيته , ليكون ذلك أكثر بركة , فقصد مكة , وأطلع المشائخ على مجيئة بقلوبهم , خرجوا لاستقباله , فوجدوه وقد تبدلت صورته , وفي حال لم يكن قد بقي عليه فيها شيء سوى رق الخلقة) [2] .

وقال أبو طالب المكي:

قد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر مت أربعين يوما , ويرى أن ذلك علّة في توكله , فيعمل في إختبار نفسه وكشف حاله.

وحدثنا عن بعض الشيوخ قال: (لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا) [3] .

كما يقول: (خرجت طائفة الأبدال إلى الكهوف تخلّيا من أبناء الدنيا) [4] .

ونقل السهروردي عن إبراهيم الخواص أنه ما كان يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما , وكان يرى: إن أقام أكثر من أربعين يوما يفسد عليه توكله , فكان علم الناس ومعرفتهم إياه سببا ومعلوما.

وحكى عنه أنه قال: مكثت في البادية أحد عشر يوما لم آكل , وتطلعت نفسي أن آكل من حشيش البر , فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه , ثم التفت فإذا هو

(1) التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي ص29 الطبعة الثانية مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة 1400 هـ.

(2) كشف المحجوب للهجويري ص 416 , أيضا تذكرة الأولياء لفريد الدين العطار ص 347 ط باكستان.

(3) قوت القلوب لأبي طالب المكي ج 2 ص 207.

(4) أيضا ج 2 ص 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت