أَعنِي الَّذين وجدوه وَالَّذين لم يجدوه. وأصناف الاجتهادات وَالنَّظَر الَّذِي يجْرِي هَذَا المجرى كَثِيرَة فَمن ذَلِك كثير من مسَائِل الْعدَد والهندسة وَسَائِر الموضوعات لَيْسَ غَرَض الْحُكَمَاء فِيهَا وجود الْغَرَض الْأَقْصَى من اسْتِخْرَاج ثَمَرَتهَا وَإِنَّمَا مُرَادهم أَن ترتاض النَّفس بِالنّظرِ وتتعود الصَّبْر على الروية والفكر إِذا جَريا على منهاج صَحِيح ولتصير النَّفس ذَات ملكة وقنية للفكر الطَّوِيل ومفارقة الْحَواس والأمور الجسمية فَإِذا حصلت هَذِه الْفَائِدَة فقد وجد الْغَرَض الْأَقْصَى من النّظر. فَمَا كَانَ من الشَّرْع متروكًا غير مُبين فَهُوَ مَا جرى مِنْهُ هَذَا المجرى وَكَانَ الْغَرَض فِيهِ والمصلحة مِنْهُ حُصُول النّظر وَالِاجْتِهَاد حسب. ثمَّ مَا أدّى إِلَيْهِ الِاخْتِلَاف كُله صَوَاب وَكله حِكْمَة. وَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يتعجب الْإِنْسَان من الشَّيْء الْوَاحِد أَن يكون حَلَالا بِحَسب النّظر الشَّافِعِي وحرامًا بِحَسب نظر مَالك وَأبي حنيفَة فَإِن الْحَلَال وَالْحرَام فِي الْأَحْكَام والأمور الشَّرْعِيَّة لَيْسَ يجْرِي مجْرى الضدين أَو المتناقضين فِي الْأُمُور الطبيعية وَمَا جرى مجْراهَا لِأَن تِلْكَ لَا يَسْتَحِيل أَن يكون الشَّيْء الْوَاحِد مِنْهَا حَلَالا وحرامًا بِحَسب حَالين أَو شَخْصَيْنِ أَو على مَا ضربنا لَهُ الْمثل من ضرب الكرة بالصولجان وَوُجُود دَفِين الْحَكِيم على الْوَجْه الَّذِي اقتصصناه. وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَيَنْبَغِي للعاقل إِذا نظر فِي شَيْء من أَحْكَام الشَّرْع وَكَانَ صَاحب اجْتِهَاد لَهُ أَن ينظر - أَعنِي أَنه يكون عَالما بِالْقُرْآنِ وَأَحْكَامه وبالأخبار الصَّحِيحَة وَالسّنَن المروية والاجتماعات الصَّحِيحَة - أَن يجْتَهد فِي النّظر ثمَّ يعْمل بجسب اجْتِهَاده ذَلِك.