وحين يعلمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاعة، فإنه يوصينا بأمر آخر لا غناء لنا عنه، وهو الإخلاص فيها لله عز وجل، فحين نشفع لأحدهم ونتوسط له؛ فإنا لا نصنع ذلك ترقبًا لنفع دنيوي، كأن يهدي لنا أو أن يتوسطَ لنا في قابل الأيام، أو أن يذكرَنا الناس بالذكر الحسن، فيصفوننا بالشهامة وكثرة الخير، فطلبُ هذه الأمور مما يحبط العمل ويبطل ثوابه، فالله يريد منا الإخلاص في العمل له تبارك وتعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} (الإنسان: 9 - 12) .
وحتى يبقى هذا العمل خالصًا لوجه الله مجردًا من طمع الدنيا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحذر الشافع من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا» [1] .
ومن أراد أن يستوضح منزلة الإخلاص، فليسمع إلى الحوار الذي جرى بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعدي بن حاتمٍ الطائي الذي كان يضرب به المثل في الكرم، فقد جاء عدي بن حاتم
(1) أخرجه أبو داود ح (3541) .