ثم إذا غسل الميت كفن، فإذا كفن فإنه يستحب أن يكفن في أثواب بيض وأن تكون جديدة، إلا شهيد المعركة الذي يموت في أرض المعركة، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وإنما يدفن بثيابه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفن شهداء أحد بثيابهم المضرجة بدمائهم، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء) ، ولم يصل عليهم صلى الله عليه وسلم ولم يكفنهم.
ثم بعد ذلك يدفن إما لحدًا وإما شقًا، واللحد أفضل، ومعلوم أن اللحد يكون تجويفًا في القبر، وأيًا كان الميت، وأيًا كان القبر فإنه بعد الصلاة عليه يوجه إلى القبلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر البيت الحرام بعد أن ذكر الكبائر، ثم قال: (واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا) ، فقوله عليه الصلاة والسلام في البيت الحرام: (قبلتكم أحياء) ، أي: حال الصلاة وحال الدعاء، وقوله: (أمواتًا) ، أي: في حال الاحتضار وحال الدفن.
والبراء بن معرور رضي الله عنه وأرضاه لما مات أوصى من حوله بأن يوجهوه للقبلة، وأوصى بثلث ماله للرسول صلى الله عليه وسلم، فلما مات وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال عليه الصلاة والسلام: (أصاب الفطرة) ، أي: أصاب الفطرة في أنه اختار أن يوجه إلى القبلة (ورددت ثلث ماله عليه) أي: لم يقبل صلى الله عليه وسلم ذلك، بل تركه لينتفع به أهله.