واعلم بأن عليك العار تلبَسه ... من عضة الكلب لا من عضةِ الأسد
فالأسد لو تصدرت له وهزمك وعضك فأي عار في ذلك عليك، ومن جنسه ما كان بشار بخبثه يسعى لتحصيله من جرير .. أما عضة الكلب فستلام قطعا على التنزل للتصدي له والانشغال بمشاغبته، وسيخطّؤك كل أحد لهبوطك إلى مستواه ..
في عصر الهجاء المعروف بالنقائض بين جرير والفرزدق عملاقي الشعر في ذلك العصر؛ حاول بشار بن برد في شبابه وكان يطلب الشهرة حاول أن يتحرش بـ (جرير) ويهجوه طمعا بأن يستفزّه ليرد عليه، ويذكَره في شعره؛ وهو يعلم علم اليقين أن مجرد ذكره في بداياته وهو شاب غرر في أشعار (جرير) كاف لتسير باسمه الركبان، ويشهره ذلك في الآفاق، ويُذكر في منتديات زمانه على لسان الصغير والكبير، ويخطّ اسمه في شعر (جرير) بماء الذهب ..
هذه الحيلة الخبيثة من بشار لم تنطل على (جرير الشاعر العملاق) ولم يخرجه سباب بشار وهجائه عن رزانته بل استصغره واستحقره فلم يرد عليه ..
وكأنه تمثل بقول القائل:
وعوراء الكلام صممت عنها ... وإني إن أشاء بها سميع
وكان بشار يتحسر على إهمال جرير لهجائه وعدم التفاته إليه ويقول (لو رد علي جرير لأصبحت أشعر العالمين)
في الحقيقة ربما يفسر بعض الناس هذا الفعل من (جرير) بالكبر ..
وربما يفسره بعض الجهال المتعصبين لبشار بالعجز عن الرد عليه، متناسين ان جرير أسطورة من أساطير الشعر العربي، وبشار لم يكن آنذاك إلا غلاما يافعا لا زال يحبو على شاطيء بحور الشعر، ويتدرب على صنعة الشعر ونظم القوافي ..
وربما وربما ..
وفي النهاية يجمع العقلاء على أن فعل جرير كان قمة العقل، وكماله ورزانتة، وهو في الحقيقة تصديق لقول الشاعر: