وكما مر - في الحلقة السابقة - فقد دأب الفكر الإمامي على ربط"الأمة"الجعفرية برموز غير قابلة للنقد أو التجريح، وأعطاهم - أو أعطوا لأنفسهم - صلاحيات وصلت إلى خصائص الإمام الغائب المعصوم، المعيَّن من قِبَلِ الله - تعالى -!!
ولقد تجاوزت هذه الصلاحيات ما كان يتمتع به الشاه المستبد الطاغية الدكتاتور عميل الإمبريالية والصهيونية!! فقد أقر مجلس الخبراء الإيراني إعطاء الولي الفقيه صلاحيات تفوق ما كان مخولًا به للشاه السابق، ونص على ذلك في المادة (107) (5) والفقرة (110) من الدستور الإيراني (6) .
"الثورة الإسلامية في لبنان"هذه العبارة هي آخر ما تقرؤه على علم"حزب الله"في لبنان. والثورة بهذا الوصف محاولة استنساخ للثورة الأم في قم وكلتاهما ثورة آيات، أي أن العلم الديني الإمامي هو أساس التصور والحركة؛ فالثورة - بحسب المعلن - ثورة دينية: إمامها فقيه، رئيسها فقيه، وزيرها فقيه؛ فالمثال الذي ينبغي وضعه نصب العين هو إرادة الفقهاء، ولهذا فقد كان للحوزات والحسينيات دور هام في غرس مفاهيم التقديس، وفي إمداد الثورة بالوقود البشري.
الملالي .. ومدارج المعالي:
مع نهاية الغيبة الصغرى المدَّعاة للمهدي وجد علماء الشيعة أنفسهم في حيرة شديدة؛ وذلك خوفًا من انكشاف حقيقة أمر الغيبة والمهدي ودعاوى أخرى كثيرة لا تمتُّ إلى الحق بسند ولا نسب، فأخرجوا مرسومًا منسوبًا إلى مهديهم الغائب يقول فيه: أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله. ثم أتبعوه بمرسوم آخر يقول فيه: أما من الفقهاء من كان صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطيعًا مولاه فللعوام أن يقلدوه (7) .
ولهذا فقد وَسِعَ إمامهم المعاصر أن يقول: إن الفقهاء"هم الحجة على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم حجة عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك، وعلى كلٍ فقد فوَّض الله إليهم جميع ما فوض إلى"الأنبياء"وائتمنهم على ما ائتمنوا عليه" (8) .
"فإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي صلى الله عليه وسلم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا" (9) .
وقد نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وعلماء أمتي كالأنبياء السابقين" (10) بل إنه لم يجد حَرَجًا في أن يقول:"الفقيه ـ الرافضي ـ بمنزلة موسى وعيسى" (11) !!