ولهذا لم يكن مستغربًا أن يقول أحد المسؤولين الإيرانيين: إن الخميني أعظم من النبي موسى وهارون (12) . وترتفع وتيرة التجاوزات في إعطاء الصلاحيات لفقهاء المذهب حين كتب آية الله آزاري قمي يقول: ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتًا عن الصلاة والصيام والحج .. أو حتى الإيمان بالتوحيد!! (13) .
ويستمر التضليل بمحاولة الإقناع أن الفقهاء لا دخل لهم في وظائفهم وخصائصهم؛ بل إن"الفقهاء معينون ضمنًا من قِبَل الله" (14) وبذلك تكون سلطة الفقيه سلطة إلهية.
وبهذه المراسيم والقوانين والتحذيرات والتهديدات أصبحت سلطة الفقهاء فوق كل السلطات ولا تخضع لأي سلطة كانت، وكما يقول الخميني: وإذا كان السلاطين على جانب من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم عن الفقهاء، وفي هذه الحالة، فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء، ويكون السلاطين مجرد عمال لهم (15) .
ولم يخرج محمد حسين فضل الله عن هذا الخط الساخن الرافع أقدار الفقهاء إلى منازل النبيين.
حيث يقول: إن رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي الأشياء شرعية بصفته نائبًا عن الإمام، والإمام هو نائب النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فالإمام هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والفقيه العادل هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم (16) .
والواقع أن شرعية كل الأمور تنطلق من إمضاء الفقيه لها، وهذا يعني أن رئيس الجمهورية لا يستمد سلطانه من الشريعة الإسلامية، أو الدولة الإسلامية - من انتخاب الناس له - وإنما من إمضاء الفقيه لرئاسته، والأمر ذاته يطبق بالنسبة للنواب في مجلس الشورى والخبراء في مجلس الخبراء وغيرها من المؤسسات الدستورية في الدولة (17) .
وقد حرصت السياسة الإيرانية على الاستحواذ الكامل على إعداد (رجال الدين الشيعة) في لبنان، كما حرصت على إيلائهم دورًا متصدرًا في الساحة اللبنانية؛ فهؤلاء وحدهم الذين يُضمَنُ ولاؤهم للقيادة الإيرانية ولسياستها، كما يَظهرون بأنهم القادرون وحدهم على صبغ المجتمع الشيعي اللبناني بصبغة عميقة تحصنه من التأثيرات المخالفة للنفوذ الإيراني والمنافسة له. وتتوسل طهران وقم بالتعليم الديني لتأطير الاجتماع الشيعي اللبناني تأطيرًا متينًا، فتحل نخب ثقافية جديدة محل النخب المدنية التي تدين بعقائد سياسية أخرى، كما حدث بإحلال"حزب الله"محل"أمل".
وبهذا فقد تحقق نجاح كبير في إنجاز أحد أكبر الأهداف، وهو تأطير"الأمة"الشيعية بسياج الآيات وتجييشها تحت قيادة واحدة؛ وعليه فلا عجب أن نرى قوافل متوالية من الشباب الشيعي يضحون