لأن العلمانية ذاتها تنص على حرية الاعتقاد، والفرق، والأحزاب المختلفة والمتغايرة .. لكنها بنفس الوقت تلزم الجميع بتغييب الولاء والبراء على أساس الانتماء الديني أو العقائدي، وتوحد ولاءاتهم على أساس الانتماء إلى الوطن والتراب، على اعتبار أن مصلحة الوطن هي المصلحة العليا التي يجب أن تتحد عليها الجهود وجميع الاتجاهات، لأن مصلحة الوطن هي مصلحة للجميع؛ ومن هنا كان من شعارات العلمانية التي رفعت وناضلت من أجلها"الدين لله والوطن للجميع"و"دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، ولكن ما كان لله فهو يصل إلى قيصر، وما كان لقيصر فهو لا يصل إلى الله .. تعالى الله عما يقولون.
أقول: ما تقدم من كلام للدكتور القرضاوي هو نفس التأصيل والقول الذي تقول به العلمانية .. فتأمل!!
سؤال من مداخل: من الملاحظ أن كثيرًا من الأحزاب السياسية ذات التوجه الإسلامي في عالمنا العربي والإسلامي حاولت الوصول إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع فحوربت على خلاف بقية الأحزاب الأخرى، وكذلك عندما حاولت عن طريق الانقلابات العسكرية كذلك حوربت، ما هو السبيل لهذه الأحزاب .. ؟!
أجاب الدكتور القرضاوي: هذا رد على الأخ الذي قال: فرطوا بالقوة وعولوا على الانتخاب .. حتى القوة ما نستطيع أن نصل بها، السودان استطاع أن يصل بالقوة في فترة كان لا بد أن يثب على الحكم بدل من أن يثب عليها الشيوعيون. دخل الإسلاميون من دون أن يريقوا قطرة دم، لو استطعنا أن نستخدم القوة دون إراقة قطرة دماء هذا يعني .. ولكن ليس هذا من السهل، وأنا الحقيقة لا أرى إننا نصل إلى الحكم بطريق القوة، هذا يكون استثناءً يُحفظ ولا يُقاس عليه، وأرى الطريق أن نصل برغبة الناس وبرضى الناس ..
القضية قائمة على الرضى والاختيار والرغبة، لا على أساس القمع والقسر، فالأصل في الحكم في الإسلام أن يقوم على رضى الناس ورغبتهم ورضاهم وبيعتهم، وهذا ما يجب أن نحرص عليه ونصر عليه!!
التعقيب والرد: يكمن في النقاط التالية:
1 -نلحظ هنا بوضوح كيف أن الدكتور يستهجن طريق القوة؛ طريق الإعداد والجهاد الذي شرعه الله تعالى وأمر به العباد، وبالمقابل كيف أنه يستحسن طريق الوصول عبر إرادة الشعب واختياره ورغبته - عن طريق صناديق الاقتراع - كما هو متبع في الطريقة الديمقراطية .. !
فهو من هذا الوجه يستهجن ويستبعد المشروع والواجب شرعًا، ويستحسن ويفضل الطرق الديمقراطية الملتوية والمحرمة .. !!
2 -الشيخ لا يمانع طريق الجهاد والقوة لكن بشرط أن لا تُراق قطرة دمٍ واحدةٍ؛ فهو يفترض الشيء ثم يشترط له المستحيلات، فكيف يكون جهاد وقتل وقتال من دون أن تراق قطرة دم واحدة .. ؟!!
والله تعالى يقول: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن} التوبة:111.