فقال بعض أهل العلم: هذا الحديث يدل علي أن الوضوء مما مسَّت النار منسوخ.
وقال الإمام أحمد: بل هو مُستحب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء مما مسَّت النار ثم ترك الوضوء مما مسَّت النار فيكون هذا الأمر مصروف من الإيجاب إلي الإستحباب، قال ومما يدل علي هذا:
ما أخرجه مسلم وأحمد من حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَنتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وَإِنْ شِئْتَ فَلاَ تَوَضَّأْ.
فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا: إِنْ شِئْتَ، يدل علي الإستحباب، وإلا لكان ذلك إسرافًا وتضييعًا للماء بغير معني، فاستخدام الماء في هذا الوضوء يدل علي مشروعية الوضوء في هذا الموضع.
رابعًا: مسّ العورة
ذكرنا في باب نواقض الوضوء: حديث بُسْرَة بِنْت صَفْوَان الذي أخرجه الخمسة أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلا يصل حتي يَتَوَضَّأْ.
قلنا: صَرَفَ هذا الأمر من الإيجاب إلي الإستحباب: حديث طَلْق بن عليّ عند الخمسة أن رجلًا سأل رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَيَتَوَضَّأُ أَحَدُنَا إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ.
وفي رواية: هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْكَ؟
خامسًا: الوضوء عند النوم
أخرج البخاري والترمذي وأحمد من حديث البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ وَقُلِ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِى إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مِتَّ من ليلتك فأنت عَلَى الْفِطْرَةِ فاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ.
وفي رواية الكُشْمَيَهْني: واجعلهن من آخر ما تتكلم به. لكنه خالف في ذلك رواية الجماعة.
ثم رددها النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه حتي إذا قال البراء: آمنتُ بكتابك الذي أنزلتُ وبرسولك الذي أرسلت. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لا، وبنبيك الذي أرسلت.