سبق في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى بَدَأَ مِنْهُ [1] ...
هل الواجب مسح الرأس كله أم يُكتفي ببعض الرأس؟
ذهب مالك وأحمد في إحدي الروايتين عنه إلي وجوب مسح الرأس كله.
وذهب الجمهور إلي عدم وجوب مسح الرأس كله وإن كان مسح الرأس كاملًا هو الأفضل باتفاق أهل العلم؛ لأنه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث السابق.
والجمهور علي أن الواجب مسح بعض الرأس بغير تحديد إلا أن أبا حنيفة حدَّ هذا البعض بالربع، يعني: يجب أن يمسح ربع الرأس. والحقيقة أنه لا يوجد دليل علي هذا القول.
مُحصَّل هذه المسألة بدون الخوض في تفاصيل كثيرة، أنك إذا قلتَ: ضربتُ بيدي محمدًا، هذا لا يلزم منه أنك ضربت كل جزء في محمد. وهذا من الأمور المعروفة في اللغة؛ وبناءً على ذلك ذهب الجمهور إلى أن مسح بعض الرأس مجزأ والأفضل مسح جميع الرأس.
هناك صفة أخري لمسح الرأس وهي:
ما أخرجه أحمد وأبي داود من حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأَ عِنْدَهَا فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ لاَ يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ.
مسح الأذن
ورد في غير ما حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الأذنان من الرأس.
وهذه الأحاديث كل حديث منها إسناده ضعيف، لكنها وردت من عدة طرق يقوي بعضها بعضًا، لاسيما وأنه قد ثبت حديثان صحيحان:
الأول: ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أنه قال: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا [2] .
(1) 1 - ربما قال قائل: أليست الصفة المذكورة في الحديث أنه أدبر بهما وأقبل وليس العكس؟
والجواب: أن الواو - كما قال أهل العلم - لا تفيد الترتيب وإنما تفيد الجمع فقط فإذا قلتَ مثلًا: جاء محمد وأحمد، من الذي جاء قبل من؟
يحتمل أن يكونا جاءا معًا، ويحتمل أن يكون أتي محمد قبل أحمد ويحتمل العكس.
ولذلك هناك رواية لهذا الحديث عند البخاري: فأدبر بيديه وأقبل.
(2) 1 - سنحتاج هذا الحديث في موضع آخر وهو: الترتيب في الوضوء، حيث أن المضمضة والاستنشاق في هذا الحديث أتت بعد غسل الوجه وغسل اليدين.