ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه نجس.
وذهب أحمد ومالك وابن حزم إلى أنه طاهر.
وهذا هو الراجح , سواء كان الماء قليلًا أو كثيرًا؛ وذلك للقاعدة الشرعية:
أن الشيء الذي وَرَدَ في حقه حكم شرعي , إذا اعتراه تغيُّر لا يُزيل عنه اسمه , يَبقى حكمه الشرعي كما هو.
ب- الذي خالطه طهارة:
أولًا: إذا غيَّرت من طعمه أو من رائحته أو من لونه لكنه ظل ماءً كما هو:
ذهب الجمهور إلى أنه طاهر في نفسه لكنه ليس مطهرًا لغيره.
وذهب أبو حنيفة وابن حزم إلى أن هذا الماء طاهر في نفسه , مطهرًا لغيره.
قال أبو حنيفة:"إلا أن يُطبخ". مثل: الشاي والحِلْبة؛ لأن في هذه الحالة زال عن الماء اسمه تمامًا فتغير حكمه الشرعي.
وهذا المذهب هو الراجح لِما يلي:
1 -لو أن رجلًا حَلَفَ يمينًا بالله أن لا يشربَ ماءً لمدة ساعة , أليس إن شرب من هذا الماء حَنَثَ في يَمينه بالاتفاق؟
2 -أن الإجماع انعقد على أن الماء إذا تغيَّر بنفسه كالذي تغيَّر من طول المُكْث , أو تغيَّر بما لا ينفكَّ عنه غالبًا , أن هذا الماء طاهرٌ في ذاته مطهرٌ لغيره.
وشيخ الإسلام يتسائل: ما الفارق بين هذا الماء من جهة , وبين ماء البحر من جهة أخرى؛ إذ أنه يحتوي على قدرٍ من مِلح الطعام!
فلا يُمكن أبدًا أن يأتيَ الشرع بالتفريق بين متماثلين.
3 -ثبت عند النَّسائي من حديث أم هانئ < أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغْتَسَلَ من قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ [1] .
ومعلوم أن الماء ينقص كلما اغترف منه النبي - صلى الله عليه وسلم - , وكلما نقص الماء كلما تغيَّر من أثر العجين.
4 -ثبت في الصحيحين عن أُمِّ عَطِيَّة أنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِى الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ [2] .
5 -ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر قَيْس بن عاصم عندما أسلم أن يغتسل بماء وسدر [3] .
فكل هذه الأدلة تؤيد مذهب أبي حنيفة.
(1) - أخرجه ابن ماجة (378) في الطهارة وسننها , باب: الرجل والمرأة يغتسلان من إناء واحد. والنسائي (240) في الطهارة , باب: ذكر الأغتسال في القصعة التي يعجن فيها , و (415) في الغسل والتيمم , باب: الاغتسال في قصعة فيها أثر العجين. وأحمد (26895) .
(2) - أخرجه البخاري (1195) في الجنائز , باب: غسل الميت ووضوئه ... ومسلم (2211) في الجنائز , باب في غسل الميت.
(3) - أخرجه أبو داود (355) في الطهارة , باب فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ. والترمذي (605) في أبواب السفر , باب ما ذكر في الاغتسال عند ما يسلم الرجل. والنسائي (188) , باب غسل الكافر إذا أسلم. وأحمد (20611, 20615) .