وذهب عامة أهل العلم إلى أنه إن تراضى معها على أكثر مما أعطاها , كان هذا نافذًا - وإن قالوا بكراهته -.
وهذا الذي رجحه ابن قدامة , وهو مشهور مذهب أحمد.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] .
أي: في أي شيء تفتدي به.
وقد روى ابن سعد عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ < أنها قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام - وكان زوجها - قالت: فقلت له: لك كل شيء لي , وفارقني. قال: قد فعلت.
فكأنها ندمت؛ لأنه أخذ حتى فراشها.
فأتت عثمان - رضي الله عنه - وكان محصورًا - فَذَكَرَتْ له ذلك , فقال: الشَّرْطَ أملك , خُذْ كل شَيْءٍ لها حَتَّى عِقَاص رأسها [1] .
فهذا يدل على جواز أن يأخذ الرجل أكثر مما دفع.
والذين ذهبوا إلى أنه لا يأخذ أكثر مما دفع , احتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم: اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ , وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً.
وفي رواية ابن عباس عند ابن ماجة: فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.
وروى الدارقطني عن أبي الزبير - من التابعين - أنه ذكر أنَّ امرأة ثابت بن قيس كَرِهَتْهُ- وَكَانَ أَصْدَقَهَا حَدِيقَةً - فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الَّتِي أَعْطَاكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ , وَزِيَادَةً. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ , وَلَكِنْ حَدِيقَتُهُ [2] .
هذا الأثر رواه الدارقطني , وصحح إسناده إلى أبي الزبير , وقال:"سمعه أبو الزبير من غير واحد".
قال الحافظ ابن حجر: ورجال إسناده ثقات , وقد وقع في بعض طرقه: سمعه أبو الزبير من غير واحد , فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح , وإلا فيعتضد بما سبق [3] . اهـ.
(1) - الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 447) . والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 513) . وعبد الرزاق (6/ 504) رقم (11850) .
(2) - أخرجه الدارقطني (3/ 255) . وعنه البيهقي (7/ 314) .
(3) - الفتح (9/ 402) .