ولذلك قال الإمام أحمد:"لا يُزَوَّجُ الغلام حتى يحتلم [1] ".
وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد ~ أنَّه قال:"إذا بلغ عشرًا زَوَّجَ , وتزوج , وطلق , وأجيزت وكالته [2] ". اهـ.
وهذا القول طبعًا منافٍ تمامًا للنصوص؛ لأن هذا ليس مُخاطبًا بالتكاليف الشرعية؛ إذ القلم مرفوع عنه؛ ولذلك كان التصرف في كل ذلك للأولياء , أو للوصي عليه , وليس له تصرف في ماله , ولا في عقود النكاح.
الشرط الثالث: الذكورية:
وهذا مُجمع عليه؛ لأن المرأة ناقصة التصرف؛ ولذلك ثبتت الولاية عليها في عقد النكاح لقصورها في النظر في نفسها.
فإن كانت عاجزة عن النظر بنفسها , فمِن باب الأولى لا تستطيع أن تزوج غيرها من النساء؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: لاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ , وَلاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا.
واختلفوا في:
1 -العبد:
ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ العبد لا يكون وليًا في النكاح؛ لأنه لا يَلِي أمر نفسه.
وذهب أبو حنيفة ~ إلى أنَّه يجوز له أن يزوج المرأة بإذنها , بناءً على أن المرأة يجوز لها أن تزوجَ نفسها , وبالتالي أن تأذنَ لغيرها في تزويجها.
فحيث أنَّ هذا الذي يعتمد عليه أبو حنيفة ~ مردود بالأدلة السابقة , فيكون هذا المذهب أيضًا مردود.
2 -العدالة:
هل تُشترط العدالة في الولي أم لا تُشترط؟
روايتان في مذهب الإمام أحمد.
الرواية الأولى: تُشترط , وبهذا قال الإمام الشافعي ~.
واحتج ابن قدامة ~ لهذا المذهب:
أولًا: قول ابن عباس موقوفًا: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ , وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ [3] .
قال أحمد:"أصح شيء في هذا قول ابن عباس [4] ".
وطبعًا قال ابن قدامة:"ولم يُعلم له مُخالف من الصحابة"وهذا ما يُعرف عندهم بالإجماع السكوتي , أو الإجماع الظنِّي , وهو مختلف في حجيته.
ثانيًا: ما رُوِيَ عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ , فَإِنْ أَنْكَحَهَا وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ [5] .
هذا الحديث رواه الدارقطني , وقال:"رفعه عدي بن الفضل ولم يرفعه غيره".
قال البيهقي:"وهو ضعيف , والصحيح موقوف".
يعني: هذا موافق للرواية الأولى الصحيحة عن ابن عباس.
ثالثًا: ما أخرجه أبو بكر البُرْقاني عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ [6] .
وهذا الحديث لا يصح من أي طريق عن جابر بن عبد الله .
فحتى الآن عندنا الموقوف على ابن عباس.
قال الشِّيرَازِي - وهو من الشافعية [7] : ولأن الوليَّ إنما اشْتُرِطَ في العقد لئلا تحملَ المرأةَ شهوتُهَا على أن تُلقيَ نفسها في أحضان غير كفء، وتزوجَ نفسها في العدة، فيلحقَ العارُ بأهلها.
وهذا المعنى موجود في الفاسق؛ لأنه لا يُؤمَن أن يحملَه فسقُه على أن يضع المرأةَ في أحضان غير كفء، ويزوجَها في العدة، فيلحقَ العار بأهلها [8] . اهـ.
(1) - المغني (7/ 355) .
(2) - السابق (7/ 355) .
(3) - صححه الألباني في الإرواء (1844) .
(4) - المغني (7/ 355) .
(5) - أحرجه الدارقطني (3/ 221) . والبيهقي (7/ 124) . وضعفه الألباني في الإرواء (1845) .
(6) - تَنْقِيْحُ التَّحْقِيْقِ فِيْ أَحَادِيْثِ التَّعْلِيْقِ (3/ 82) رقم (1772) . التحقيق في أحاديث الخلاف (2/ 260) رقم (1702) والحديث فيه"قطر بن نُسير"وهو ضعيف. و"الْعَرْزَمِيِّ"قال أحمد: ترك الناس حديثه. وقال الفلاس والنسائي: هو متروك. وقال يحيى: لا يُكتب حديثه , وقد حدث عنه شعبة وسفيان.
(7) - قال الشيخ: لأن الشافعي يشترط في مشهور المذهب: العدالة في الولي.
(8) - المجموع (16/ 159) .