فعند انعدام الشرط , ينعدم المشروط , فحيث أن المرأة عقدت عقد النكاح , وقد أخلَّت بشرط من شروطه , فهذا النكاح ينبغي أن يكون باطلًا , فما معنى أن يُجيز الوليُّ نكاحًا لا يجوز أصلًا؟
فقوله باشتراط الولي , نَقَضَه؛ إذ أجاز للوليِّ أن يجيز ما أخبر أنه لا يجوز.
وهذا أيضًا معارضًا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ , وَلاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا.
قال أبو هريرة - رضي الله عنه: كُنَّا نَعُدُّ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا هِيَ الزَّانِيَةَ [1] .
وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: الْبَغَايَا اللَّاتِي يَنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ الأَوْلِيَاءِ.
والإسناد صحيح إليهما. وقد ذكرتُ الآثار التي وردت عن الصحابة في هذا.
المذهب الرابع:
وهو مذهب أبي ثَوْرٍ , قال: يجوز للمرأة أن تزوج نفسها , ولكن يُشترط أن يأذن لها وليها بالتزويج.
وتُعُقِّبَ هذا المذهب بحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ.
وتُعُقِّبَ أيضًا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ , وَلاَ تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا.
فإذًا: إذن الولي لها , لا يُبيح لها أن تزوج نفسها؛ لأنه أَذِنَ لمَن لا يصلح لمباشرة هذا العقد أصلًا.
المذهب الخامس:
وهو رواية عن الإمام مالك ~ , وهو التفريق بين الرفيعة والوضيعة , أو الدنيِّة وغير الدنيِّة.
قال: والدنيِّة كالسوداء والمولاة والفقيرة , فهذه يجوز أن يزوجها أي واحد من المسلمين.
فالإسلام كافٍ عند الإمام مالك - على هذه الرواية - في الولاية على نكاح المرأة الدنيِّة.
ولا يخفى عليك أنَّ الأدلة لم تفرق بين الدنيِّة وغير الدنية.
قال ابن حزم ~: وتفريقه بَيْنَ الدَّنِيَّةِ وَغَيْرِ الدَّنِيَّةِ لم يرد فيه نصٌ , لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وَمَا عَلِمْنَا الدَّنَاءَةَ إِلاَّ مَعَاصِيَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا السَّوْدَاءُ، وَالْمَوْلاَةُ: فَقَدْ كَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ < سَوْدَاءَ وَمَوْلاَة ً، وَوَاللَّهِ مَا بَعْدَ أَزْوَاجِهِ - عليه الصلاة والسلام - فِي هَذِهِ الأُُمَّةِ امْرَأَةٌ
(1) - أخرجه الدارقطني (3/ 227) . والبيهقيُّ (7/ 110) وانظر الإرواء (1841) .