الآية التي بعدها- فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ - وثبت ذلك للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم، والحبلي والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينًا.
إذن فمراد ابن عباس بالنسخ: التخصيص ومن ثم فقد وافق ابن عمر وسلمة ابن الأكوع في أن الآية نسخت، وحاصل كلام ابن عباس أنه يريد أن يقول: تشريع الصيام كان علي مرحلتين [1] : أن الله حين فرض الصيام رخص للذي يطيق الصيام بلا مشقة، وحتَّم علي الذي يطيق الصيام بمشقة أن يفطرا وأن يطعما مكان كل يوم مسكينًا، ثم نسخ ذلك في حق القادر وبقي في حق الذي لا يقدر.
الحامل والمرضع
ثبت عند أحمد وأصحاب السنن من حديث أنس بن مالك الكعبي
قال: قال رسول الله: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِر الصَّوْمَ وِ شَطْرَ الصَّلاَةِ وَعَنِ الْحُبْلَى و الْمُرْضِعِ الصوم.
ما الذي يجب في حق الحامل والمرضع إذا أفطرا؟
اختلف العلماء في ذلك علي خمسة مذاهب:
المذهب الأول: القضاء والفدية [2] وهذا مذهب: أحمد والشافعي.
المذهب الثاني: القضاء فقط وهذا مذهب أبوحنيفة في طائفة كبيرة من أهل العلم كالضحاك وإبراهيم النخعي وسفيان وأبي ثور والزهري وعطاء ابن أبي رباح.
المذهب الثالث: الفدية ولا قضاء. وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر وسعيد ابن جبير.
المذهب الرابع: التفريق بين الحامل والمرضع، فالحامل: تقضي فقط؛ لأنها أفطرت لمعني في نفسها، والمرضع: تجب عليها القضاء والفدية؛ لأنها خافت علي منفصل عنها وهذا مذهب مالك.
المذهب الخامس: لا يجب عليها قضاء ولا فدية وهذا مذهب ابن حزم.
الذين أوجبوا عليها القضاء فقط إذا خافت علي نفسها قاسوها علي المريض وأوجبوا عليها
(1) 1 - ورد في حديث معاذ بن جبل بإسناد منقطع أنه كان علي ثلاث مراحل، لكن ما نقوله للتقريب.
(2) - وللإنصاف فإنهما لم يقولا بالقضاء والفدية مطلقا وإنما قالا: إن خافتا علي أنفسهما أو علي أنفسهما وولديهما، فالقضاء فقط، وإن خافتا علي ولديهما فالقضاء والفدية؛ لأنها ليست خائفة علي نفسها ولكن أفطرت لمعني آخر.