لكن الجمهور قالوا: هذه الآية فيها مقدر محذوف وهو كلمة (( فأفْطَر ) )يعني (( فمن كان منكم مريضًا أو علي سفر فأفطر فعدة من أيام اخر ) )وهذا التقدير المحذوف يسمي عند الأصوليين بلحن الخطاب. فأجيب علي الجمهور بأن: الأصل عدم التقدير إلا أن يدل علي ذلك نص أو إجماع.
فأجاب الجمهور: قد دلت النصوص الصحيحة علي هذا التقدير كما سنري إن شاء الله.
ثانيًا: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ
قال: خَرَجَ رَسُولَ اللَّهِ من المدينة عَامَ الْفَتْحِ فِى رَمَضَانَ ومعه عشرة آلاف وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمة المدينة فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ - الماء الذي بين قُدَيْد وعُسْفان - أَفْطَرَ وأفطروا وإنما يؤخذ من أمر رسول الله الآخر فالآخر.
الجواب:
قال الجمهور: هذا الدليل ليس فيه دلالة علي المطلوب؛ وذلك لما يلي:
1 -قوله في الحديث إنما يؤخذ من أمر رسول الله الآخر فالآخر ليس من كلام ابن عباس وإنما من كلام محمد ابن شهاب الزهري أي أن: هذه الزيادة مدرجة وليست من كلام ابن عباس.
2 -ثبت أن النبي صام بعد هذه الواقعة- فتح مكة - كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد قال: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ قَالَ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ. فَكَانَتْ رُخْصَةً فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا. قال أبوسعيد: وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِى السَّفَرِ.
إذن فهذا الحديث يبين أن الصحابة صاموا مع النبي في السفر بعد فتح مكة المذكور في حديث ابن عباس.
ثالثًا: ما رواه مسلم من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِى رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ [1] فَصَامَ النَّاسُ فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت فدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ
(1) - الكديد وكراع الغميم وقُدَيْد وعُسْفَان كلها مناطق متقاربة وتابعة لمنطقة عسفان.