لكن الصواب مع الجمهور؛ لأن الأصل عدم الفطر ومن قال بالفطر فعليه أن يأتي بالدليل.
ثالثًا: الحقنة الشرجية والتقطير في الإحليل أوالأذن أو العين ومُدَاوَاةُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَة
وقع اختلاف شديد بين العلماء في كل هذه الأمور.
فالذين قالوا بالفطر وضعوا قاعدة فقالوا: كل شئ يدخل إلي الجوف يبطل الصيام.
وهذه القاعدة ليست مسلمة فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ لا يُفْطِرُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنَّ الصِّيَامَ مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مِمَّا حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الصِّيَامِ وَيَفْسُدُ الصَّوْمُ بِهَا لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ بَيَانُهُ وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ لَعَلِمَهُ الصَّحَابَةُ وَبَلَّغُوهُ الأُمَّةَ كَمَا بَلَّغُوا سَائِرَ شَرْعِهِ. فَلَمَّا لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ لا حَدِيثًا صَحِيحًا وَلا ضَعِيفًا وَلَا مُسْنَدًا وَلا مُرْسَلاعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أهـ. [1]
وأما بانسبة للإجماع: فلا يوجد إجماع في هذه المسائل:
الحقنة الشرجية: قال الأئمة الأربعة أنها تفسد الصيام، وذهب الحسن بن صالح وأهل الظاهر في طائفة من أهل العلم إلي أنها لا تفسد الصيام.
ما يُقَطَّر في الإحليل: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلي أن هذا يفسد الصيام، وذهب أبو حنيفة والحسن بن صالح وأهل الظاهر إلي أنه لا يفسد الصيام.
إذا قَطَّرَ شئ في أذنه: ذهب الجمهور إلي أن هذا يفسد الصيام، ذهب الحسن بن صالح وأهل الظاهر وطائفة من أهل العلم ذكرهم ابن المنذر إلي أن هذا لا يفسد الصيام.
مُدَاوَاةُ الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَة: ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور وأهل الظاهر إلي أن هذا لا يفسد الصيام، وذهب الفريق الآخر إلي أن هذا يفسد الصيام.
ومما سبق يتبين أن كل هذه المسائل مختلف فيها؛ فليس فيها إجماع.
قال: ابن تيمية:
لَيْسَ فِي الأَدِلَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُفَطِّرَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُفَطِّرًا هُوَ مَا كَانَ وَاصِلًا إلَى دِمَاغٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَا كَانَ دَاخِلًا مِنْ مَنْفَذٍ أَوْ وَاصِلًا إلَى الْجَوْفِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي
(1) - مجموع الفتاوي: (25/ 234)