فاشترط النبي - صلى الله عليه وسلم - ... ووقف معنا حتى ندفع.
وأجاب الجمهور عن هذا الدليل بأن قالوا: هَبْ أن رجلًا أفاض من عرفات , ووصل مزدلفة , وصلى المغرب والعشاء , ونام فَغَلَبَه النوم مثلًا في التاسعة صباحًا , فلم يشهد صلاة الإمام , ولم يدفع حين دفع الإمام , أيصِح حجه , ويصح مبيته بمزدلفة أم لا؟
الإجماع على أنه يصح [1] .
إذًا: لا دِلالة في هذا الحديث.
بل كذلك: لو رجعنا إلى حديث عبد الرحمن بن يَعمُر الدّيلي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ مناديًا فنادى: الْحَجُّ عَرَفَةَ , فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج.
وفي رواية النسائي: فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ [2] .
فقوله - صلى الله عليه وسلم:"قبل طلوع الفجر"يلزم منه أن العبدَ إذا وصل إلى عرفة قبل طلوع الفجر بلحظة واحدة فقد أدرك. ومِن لازم ذلك أنه لن يبيت بمزدلفة.
فحديث عبد الرحمن بن يعمر - رضي الله عنه - فيه دليل على أن المبيت بمزدلفة ليس ركنًا.
الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات بمزدلفة , وقال: لتأخذوا عني مناسككم.
فأجاب الجمهور: نعم , نحن نعترف بأنه منسكٌ , وبأنه واجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله لبيان مُجمل واجب , وهو قوله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] .
فنحن نقول: أنه واجب , أمَّا أن يُقال: إنه ركن , فلا.
وأمَّا أدلة المذهب الثالث: هي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ للنساء , وأَذِنَ للضَعَفةِ أن لا يبيتوا بمزدلفة [3] .
فأجاب الجمهور: كيف تقيسون الأقوياء على الضعفاء؟
ففي حديث أسماء < في الصحيحين , وهو من حديث مولاها عبد الله ~ أنَّه حج مع أسماء بنت الصديق , فلما أتت من مزدلفة نزلت فقامت تصلي , فصلت ساعة ثم قالت: يا بني , هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قال: لا. فصلت ساعة ثم قالت: يا بني , هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ فقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ:
(1) - قال الشيخ: وبعض الشافعية من الخُرسانيين خالفوا في هذا , ولا يُلتفت إليهم.
(2) - هذه الرواية عند النسائي وابن ماجة وأبي داود وأحمد / المحقق.
(3) - قال الشيخ: قد صحَّت الأحاديث في ذلك , وستأتي إن شاء الله.