والحسن البصري.
وبه قال أيضًا: أبو عُبيد - القاسم بن سلام - , ورُوِيَ عن حمَّاد بن أبي سُليمان - شيخ الإمام أبي حنيفة - , وهو قول داود الظاهري.
القول الثالث: أن المبيت بمزدلفة سنة مستحبة فقط , وهذا القول مشهور أيضًا في مذهب الإمام الشافعي , وقالت به طائفة من أصحابه.
وهناك قولٌ بأن مزدلفة منزل , مَنْ شاء نزل به , ومَن شاء لم ينزل.
وهذا القول مرويٌّ عن عطاء وعن الأوزاعي.
فنحن عندنا أربعة مذاهب , إلا أن القول الأخير , قولٌ مهجور , لا ينبغي أن يُلتفتَ إليه.
والذين ذهبوا إلى أن المبيت بمزدلفة ركن احتجوا بثلاثة أدلة:
الدليل الأول: أن الله - عز وجل - قال: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] .
قالوا: فما دام القرآن قد أمر بذلك , فهذا يدل على أنه فرض.
والجواب عن هذا الدليل:
قال أبو جعفر الطحاوي , وطوائف من أهل العلم: لو أن الحاجَّ نزل بمزدلفة , وبات بها , ولم يذكرِ اللهَ - عز وجل - , كان مبيته صحيحًا بالإجماع , فإذا كان الذكر الذي ورد في القرآن لا يدخل في صلب الحج , فمن باب الأولى والأحرى أنَّ المكان الذي يكون فيه هذا الذكر لا يدخل الوقوف به في صلب الحج.
وهذا كلامٌ واضح جدًا؛ لأن الله - عز وجل - لم يأمر بالوقوف عند المشعر الحرام , وإنما أمرنا أن نذكره عند المشعر الحرام , والذكر عند المشعر الحرام بإجماع العلماء ليس واجبًا فضلًا عن أن يكون ركنًا.
فإذا كان الذي أمر به رب العزة في القرآن ليس واجبًا , وليس ركنًا , فمن باب الأولى أن يكون الوقوف عند هذا المكان للذكر ليس ركنًا , وأيضًا ليس واجبًا [1] .
الدليل الثاني: حديثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ - رضي الله عنه - .. وفيه يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: مَنْ شهد صلاتنا هَذِهِ ,
ووقف معنا حتى ندفع , وقد وقف قبل ذلك بعرفة لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ.
(1) - قال الشيح: لكن الدليل على وجوبه سيأتي إن شاء الله.