قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى صَلاَةً بغير مِيقَاتِهَا إِلاَّ صَلاَتَيْنِ: جمع بين الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ [1] - أي: بمزدلفة - وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا [2] .
ما معنى: صَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا؟
هل معناه: قبل دخول الوقت؟
لا؛ فهذا باطل بالإجماع , أنه لا تصح صلاة قبل دخول وقتها , ولكن هذا معناه كما تجد في صحيح البخاري عن ابن مسعود - رضي الله عنه - , والذي يروي عنه ذلك"عَلْقَمَة"- تلميذه النبيل - أنه حجَّ مع ابن مسعود , فلما أتى مزدلفة , صلى المغرب والعشاء جمع تأخير , وقَصَرَ العشاء , ثم نام ابن مسعود حتى طَلَعَ الفجر , فلمَّا طَلَعَ الفجر قال ابن مسعود: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَكَانِ مِنْ هَذَا الْيَوْم , ثم أمر بالصلاة فَصُلِّيَت [3] .
فالمعنى إذًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من عادته أن يؤخر صلاة الصبح قليلًا؛ ولذلك ذهب أهل العلم إلى أنه يُستحب للإمام في هذه الحالة أن يُبكِّرَ بصلاة الفجر في أول وقتها كما فعل الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: حكم المبيت بمزدلفة
اختلف أهل العلم في حكم المبيت بمزدلفة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المبيت بمزدلفة واجب , والذين قالوا بهذا القول هم جماهير العلماء , وأوجبوا على مَن ترك المبيت بمزدلفة أن يَجبرَ ذلك بدم.
فهو قول مالك وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة , وسفيان الثوري , وأبو ثَوْر , والشافعي في مشهور مذهبه , وهذا هو القول المُصحَح عند كثير من الشافعية , وهو الذي جزم الإمام النووي في ..."المجموع"بصحته.
وبهذا القول قال جماعة من التابعين كعطاء وقتادة والزهري.
القول الثاني: أن المبيت بمزدلفة ركن , مَن تركه بَطُلَ حجُّه , ولا يصح له حج.
وهذا القول قال به خمسة من التابعين , علقمة , والأسود , وعامر الشعبي , وإبراهيم النَّخَعي ,
(1) - وهذه الجمع جمع تأخير , ومن ثَمَّ يكون قد أخرج المغرب عن ميقاته.
(2) - أخرجه البخاري (1598) باب: متى يصلي الفجر بجمع. ومسلم (3176) باب: اسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ التَّغْلِيسِ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ ....
(3) - أخرجه البخاري (1599) باب: متى يصلي الفجر بجمع. وأحمد (4399) .