وَلْتَعْلمْ أن جعلَ المقام بينك وبين الكعبة لا يستلزم أن تكون خلف المقام مباشرة , بل لو وقفت بعيدًا عند مسعى الصفا والمروة , وأنت تنظر إلى المقام , وتجعله بينك وبين البيت لكنتَ قد أصبتَ السنة؛ لأن بعض الأتراك بالذات يأتي الرجل منهم والمقام مزدحم بالناس , فيصلي خلف المقام , وطبعًا يعوق الناس ... وما إلى ذلك. فعلى مَن يأتي إلى مثل هذه الأماكن المزدحمة أن يُراعي أن لا يؤذي أحدًا من المسلمين.
حكم هذين الركعتين:
اختلف أهل العلم فيهما على قولين:
منهم مَن استحب هذه الصلاة , وهذا قول الشافعي , وبه أخذ الإمام مالك ~.
وذهب البعض إلى أنها واجبة , وهذا قول أبي حنيفة ~ , وقولٌ للشافعي أيضًا.
والصواب أن هاتين الركعتين واجبتان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك , وهو الذي قال: لتأخذوا عنِّي مناسككم , وهذا أصل ينبغي أن تراعيه في كل مناسك الحج.
نعود إلى حديث جابر:
[ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ] [1] .
(( قال مقيده ) ):
والشرب من ماء زمزم مستحب باتفاق أهل العلم , لم يُوجبه أحد.
والسنة أن يشرب حتى يتضلع [2] , يعني: حتى لا تكون عنده طاقة أن يشرب.
وماء زمزم لِما شُرِبَ له [3] .. طعام طُعم وشفاء سُقمٍ .. ويجوز للإنسان أن يشربه للتداوي أيضًا.
وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شرب من ماء زمزم وقال: اللهم إني أسألك شهادة في بلد نبيك - صلى الله عليه وسلم - , فنالها - رضي الله عنه -.
يقول جابر:
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ , ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ [وفي رواية: باب الصفا] [4] إِلَى الصَّفَا , فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ (( (( (( (( (( اللَّهِ} , أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ.
(( قال مقيده ) ):
هذه رواية مسلم.
وعند الترمذي وأبي داود وابن ماجة: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ [5] .
وهذه الرواية ليست مخالفة , لكن وَرَدَت هذه اللفظة في رواية النسائي: ابدأوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ [6] .
وهذه لفظة شاذة؛ فإن عامة الحفَّاظ الثقات الأثبات الذين روَوْا هذا الحديث كمالك , وسفيان الثوري , ويحي بن سعيد القطَّان , وهم مَن هم في الثقة والفقه والحفظ , رَوَوْا هذا الحديث: أَبْدَأُ ... , أو: نَبْدَأُ.
لكن:"ابدأوا"بصيغة الأمر , هذه لفظة شاذة لا يُلتفت إليها , ولا يُعمل بها , ولا يُبنى عليها شيء من الأحكام.
قال جابر:
فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ , فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ , فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ [ثلاثًا] [7] , [وحمده] [8] وَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ , لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [يُحْيِى وَيُمِيتُ] [9] وَهُوَ
(1) - هذه الزيادة عند أحمد في المسند (15243) , وانظر"الإرواء"و"حجة النبي"- صلى الله عليه وسلم - للعلامة المحدث الشيخ الألباني ~.
(2) - حديث"ما تضلع من ماء زمزم منافق"ضعفه العلامة الألباني في ضعيف ابن ماجة , وانظر حديث رقم: (22) في ضعيف الجامع , والإرواء (1125) / المحقق.
(3) - حديث"ماء زمزم لما شُرِب له"عند ابن ماجة (3062) باب: الشرب من زمزم. وأحمد (14849) , وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (883) والإرواء (1123) / المحقق.
(4) - هذه الزيادة عند الطبراني في المعجم الصغير (1/ 126) برقم (187) , وانظر"الإرواء"و"حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -"للألباني ~.
(5) - أخرجه أبو داود (1907) باب: صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. والترمذي (862) باب ما جاء أنه يبدأ بالصفا قبل المروة. والنسائي (2961, 2969, 2970, 2974) . وابن ماجة (3074) . وأحمد (14440) , وصححه العلامة الألباني ~.
(6) - أخرجه النسائي (2962) في كتاب مناسك الحج. باب القول بعد ركعتي الطواف.
(7) - هذه الزيادة عند النسائي (2972) باب: التكبير على الصفا. وأحمد (15171) . والبيهقي (3/ 315) , باب: كيف التكبير , و (5/ 93, 94) باب الخروج إلى الصفا والمروة ... وانظر"حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -"للألباني.
(8) - هذه الزيادة عند النسائي (2961, 2974, 2984) باب: القول بعد ركعتي الطواف , وباب: الذكر والدعاء على الصفا , وباب: موضع القيام على المروة. وابن ماجة (3074) في باب: حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وانظر"حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -"للألباني.
(9) - هذه الزيادة عند أبي داود (1907) . والنسائي (2961, 2974, 2985) باب: القول بعد ركعتي الطواف , وباب: الذكر والدعاء على الصفا , وباب: التكبير عليها. وابن ماجة (3074) . والبيهقي (3/ 315) , باب: كيف التكبير , (5/ 7) باب ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم إحرامًا مطلقًا ... (5/ 93) باب الخروج إلى الصفا والمروة ... , وانظر"حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -"للألباني.