فهذه الآية الكريمة متناولة لكل مَن لم يحكم بما أنزل الله وهو الكتاب والسنة.
والمقلد لا يدَّعي أنَّه حَكَمَ بما أنزل الله , بل يُقِرُّ بأنه حكم بقول العالم الفلاني , وهو لا يدري: هل ذلك الحكم الذي حكم به هو من محض رأيه , أم من المسائل التي استدل عليها بالدليل؟
ثم لا يدري: أهو أصاب في الاستدلال , أم أخطأ؟
وهل أَخَذَ بالدليل القوي , أم الضعيف؟
والعالم المجتهد نفسه لا يدري: هل أصاب أم أخطأ؟ لكنه يغلب على ظنه أنَّه أصاب , كما قال الشافعي ~:"قولي صواب يحتمل الخطأ , وقول غيري خطأ يحتمل الصواب".
(( قال مقيده ) ):
فانظر إلى قوله"يحتمل"، فهو لا يَقطع، بدليل أن الشافعي - رضي الله عنه - كان له قولان: القول القديم، والقول الجديد. فهل كان ضالًا في قوله الجديد، مصيبًا في قوله القديم، هل كان العكس؟ حاشا
وكلا.
فالمجتهد يجتهد في كل نازلة، وإذا تكررت هذه النازلة وعُرِضَت عليه فأصح قولي أهل العلم أنه يلزمه أن يُجدد الاجتهاد مرة ثانية عند نزول هذه النازلة، وأن لا يكتفيَ بالاجتهاد الأول. وهذا كلام موجود عند الأصوليين.
لكنه نقل كلام"صديق حسن خان"ليقولَ لك: المقلد داخل تحت قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا
أَنْزَلَ اللَّهُ ... ، ومن ثَمَّ: يُلزم اللجنة الدائمة أن تُكفِّر المجتهدين والمقلدين إن قالت:"يكون كافرًا، إن كان حكمه بغير الشرع في التشريع العام".
فانظر تعليق أبي عمر بن عبد البر؛ لتعلم أن الكلام الذي ساقه، تدليس شديد جدًا.
يقول الحافظ ابن عبد البر ~ في باب: ذم التقليد بعد أن ساق كلامًا كثيرًا عن ذم التقليد: وقال عبد الله بن المعتز:"لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد".
قال أبو عمر: وهذا كله لغير العامة؛ فإن العامة لابد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها؛ لأنها لا تتبيَّن موقع الحجَّة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها [1] ، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم، ولم تختلف
(1) - بدليل أن العالم من هؤلاء كلما رسخت قدمه في العلم، إذا أعاد قراءة كتاب كان يظن أنه أتقَنَه، سيجد في هذا الكتاب من الفوائد ما لم يتصوره سابقًا؛ لازدياد العلم ... وما إلى ذلك.