كفارًا بنفس الاستهزاء، ومن ادَّعى غير هذا فقد قَوَّلَ الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى [1] ... أهـ.
وقال في موضع آخر: قال أبو محمد: وبرهان آخر وهو أن الإقرار باللسان دون عَقد القلب لا حكم له عند الله؛ لأن أحدنا يلفظ بالكفر حاكيًا وقارئًا له في القرآن فلا يكون بذلك كافرًا حتى يُقر أنه عقده.
قال أبو محمد: فإن احتج بهذا أهل المقالة الأولى [2] وقالوا: هذا يشهد بأن الإعلان بالكفر ليس كفرًا، قلنا له وبالله تعالى التوفيق: قد قلنا أن التسمية ليست لنا وإنما هي لله تعالى فلما أمرنا تعالى بتلاوة القرآن وقد حكى لنا فيه قول أهل الكفر وأخبرنا تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، خرج القاريء للقرآن بذلك عن الكفر إلى رِضَى الله والإيمان بحكايته. ولما نص الله تعالى بأداء الشهادة بالحق فقال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] خرج الشاهد المخبر عن الكافر بكفره عن أن يكون بذلك كافر إلى رضى الله والإيمان.
ولما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 61] .
خرج من ثبت إكراهه عن أن يكون بإظهار الكفر كافرًا إلى رخصة الله تعالى والثبات على الإيمان وبقي من أظهر الكفر لا قاريًا ولا شاهدًا ولا حاكيًا ولا مُكرهًا على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وبنص القرآن على من قال كلمة الكفر أنه كافر. وليس قول الله: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} على ما ظنوه من اعتقاد الكفر فقط [3] بل كل من نطق بالكلام الذي يُحكم لقائله عند أهل الإسلام بحكم الكفر لا قاريًا ولا شاهدًا ولا حاكيًا ولا مكرهًا فقد شرح بالكفر صدرًا بمعنى أنه شرح صدره لقبول الكفر المحرم على أهل الإسلام وعلى أهل الكفر أن يقولوه وسواء اعتقده أو لم يعتقده؛ لأن هذا العمل من إعلان الكفر على غير الوجوه المباحة في إيراده، وهو شرح الصدر به فبطل تمويههم بهذه الآية وبالله تعالى التوفيق [4] . أهـ.
(1) - الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحل (2/ 114) طبعة مكتبة الخانجي - القاهرة.
(2) - يقصد: الجهمية.
(3) - وهذا كما فعل: (مراد شكري) ، حيث قال: قال تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} قال: فلابد أن يكون القلب منشرح حتى يكفر!
(4) - الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحل (2/ 116) طبعة مكتبة الخانجي - القاهرة.