الصفحة 59 من 703

وقد ذكر ابن تيمية نفس هذا الكلام في الصارم المسلول، لكن نكتفي بذكر هذا الموضع، وننتقل إلى ابن حزم لننظر ماذا قال في هاتين الآيتين، وانتبه فابن حزم في هذا الباب يردُّ على الجهمية والمرجئة الذين يقولون: الإيمان هو التصديق، وقد يقول هذا الرجل: كيف يقال أننا من المرجئة، وقد قال أهل العلم: من قال: الإيمان قول وعمل واعتقاد فليس مرجئًا.

والجواب: أن ذلك ليس بالكلام، المهم التصديق، فعندما يقول قائل: الإيمان: اعتقاد وقول وعمل، والأعمال شرطٌ في كمال الإيمان لا في صحة الإيمان [1] ، ثم بعد ذلك عندما يُسْئل هذا الرجل عن حكم الزاني والسارق، فيقول: كافر! فهو بذلك من الخوارج والعيااااذ بالله، فهل يصح أن ينفي هذا الرجل التهمة عنه ويزعم ويقول: لا، من قال: إن الأعمال شرطٌ في كمال الإيمان لا يكون خارجيًا وإنما هو من أهل السنة! هل يقبل هذا الكلام؟ لا، الإنسان لابد له من أصول يُطبقها في كل مسائله.

قال ابن حزم: وأما قولهم: إن شتم الله تعالى ليس كفرًا وكذلك شتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو دعوى؛ لأن الله تعالى قال: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} [2] [التوبة: 74] . فنص تعالى على أن من الكلام ما هو كفر.

وقال تعالى: {إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140] ، فنص تعالى أن من الكلام في آيات الله تعالى ما هو كفر بعينه مسموع.

وقال تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ (( (( (( (( (( مِنْكُمْ نُعَذِّبْ (( (( (( (( (} فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى أو بآياته أو برسول من رسله كفر مُخرجٌ عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك: إني علمت أن في قلوبكم كفرًا بل جعلهم

(1) - الأعمال شرطٌ في كمال الإيمان إلا ما استثناه الدليل.

(2) - انتبه: فهو يقول: كفروا بعد إسلامهم، وابن القوصي يقول عنَّا أننا أتينا بالآيات التي وردت في الكافرين وجعلناها في أهل الإسلام. وهذه مقالة ابن عمر - كان يقولها في الخوارج -، فلاحظ أن ما نقلناه عن الأئمة الأربعة وابن تيمية، وعن السَّلف وغيرهم أن هذا الكلام على المسلم وليس على الذمِّي؛ لأن قوله تعالي: {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ليس موجهًا لليهود والنصارى، وإنما كان موجهًا للمسلمين. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} ، أيضًا هذا لم يَرِد في النصارى واليهود والشيوعيين والرُّوم، وإنما ورد في المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت