فانظر إلى الكلام الغريب الذي قاله مراد شكري حيث نقل كلامًا للإمام الشوكاني أنه لابد من شرح الصدر ثم يقول:
فهذا الدين ليس به خفاء ... دعوني من بُنيَّات الطريق
، وأي واحد حتى وإن كان بادي الرأي: يعلم أن هناك أبواب الردة، وأن العلماء ذكروا في أبواب الردة: ما يكفر به الإنسان بعد إسلامه، وعندما تُرَاجِعُ كلامَ أهل العلم تجدهم يقولوا: مسألة الإكراه ليس لها تعلقٌ بالقلب؛ لأنه لا سبيل لأحدٍ أن يعرف ما في قلب الإنسان إلا الإنسان نفسه، وخالق القلوب - عز وجل - هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. فعندما يقول الله - عز وجل: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} ، فالإكراه هنا على قول كلمة الكفر.
{وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} : شرح الصدر لابد أن يكون معناه: أنه تكلم بكلمة الكفر غير مُكره؛ لأن الإكراه لا يُمكن أن يتناول ما في القلب أبدًا، وحيث أن الأمر كذلك فشرح الصدر بالكفر: أن تتكلم بكلمة الكفر لا على سبيل القراءة ولا على سبيل الحكاية ولا على سبيل التلاوة ولا على سبيل الشهادة، فمن فعل هذا فقد شرح بالكفر صدرًا، وهذا هو كلام أهل العلم.
أما كلام مراد شكري فهو ما فهمه الجهمية والمرجئة، وليست هذه شتيمة أو عيب في الأشخاص فنحن نقدِّر الجميع ونحسن الظن بهم إلى مرحلة معينة؛ لأن الله - عز وجل - يقول {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} فالتمادي على الخطأ هو الضلال المبين، لكن أن يخطأ الإنسان قبل أن يتبيَّن الأمر على حقيقته فهذا لا شيء فيه، والجناح فيه مرفوع عن المسلمين.
قال شيخ الإسلام: قد قال الله تعالى: {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} قيل: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَوَّلِهَا فَإِنَّهُ مَنْ كَفَرَ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ فَقَدْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا , وَإِلَّا نَاقَضَ أَوَّلُ الْآيَةِ آخِرَهَا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِمَنْ كَفَرَ هُوَ الشَّارِحُ صَدْرَهُ وَذَلِكَ يَكُونُ بِلَا إكْرَاهٍ لَمْ يُسْتَثْنَ الْمُكْرَهُ فَقَطْ بَلْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُسْتَثْنَى الْمُكْرَهُ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ إذَا لَمْ يَشْرَحْ صَدْرَهُ وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ طَوْعًا فَقَدْ شَرَحَ بِهَا صَدْرًا وَهِيَ كُفْرٌ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِن اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ (( (( (( (( (( مِنْكُمْ نُعَذِّبْ (( (( (( (( (( بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 64،66] . فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّا تَكَلَّمْنَا بِالْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لَهُ