بَلْ كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ كُفْرٌ وَلَا يَكُونُ هَذَا إلَّا مِمَّنْ شَرَحَ صَدْرَهُ بِهَذَا الْكَلَامِ وَلَوْ كَانَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ [1] . أهـ.
وقد ذكر شيخ الإسلام قبل هذا المبحث: مبحث آخر ليس موضوعنا لكنه مهم، يقول شيخ الإسلام: ونَظِيرُ هَذَا لَوْ قِيلَ: إنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ قِيلَ لَهُ: تَرْضَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَامْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ مَعَ مَحَبَّتِهِ لَهُمَا وَاعْتِقَادِهِ فَضْلَهُمَا وَمَعَ عَدَمِ الْأَعْذَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ التَّرَضِّي عَنْهُمَا فَهَذَا لَا يَقَعُ قَطُّ [2] .
يعني يريد شيخ الإسلام أن يقول: إن المسألة ليست مجرد تصديقٍ وإنما هذا التصديق لابد له من لوازم لكن ليس هذا محل بسط هذا الموضوع، فموضوعنا إن لم يُوفَّ حقه، يُمكن أن يتسلل إلى البعض شيء من عقيدة الخوارج، والفاصل دقيقٌ إلى حدٍ ما.
ننتقل إلى موضع آخر من مجموع الفتاوى وهو عبارة عن حوار دار بين أهل السنة والمرجئة.
قالت المرجئة: هذا الرجل كفر.
فقال أهل السنة: وكيف علمتم أنه كفر.
فقال المرجئة: لأن هذا الرجل نطق بكلمة الكفر فدل ذلك على أنه معتقد للكفر.
فقال: أهل السنة: أولًا: هذا الرجل إن صرَّح بأنه ما أراد الكفر ينبغي أن يُقبل قوله.
ثانيًا: أنهم قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فدل هذا على أنهم لم يقصدوا ولم يعتقدوا الكفر وإنما قصدوا اللعب واللهو ومع ذلك كفَّرهم الله.
قالوا: هؤلاء كانوا منافقين وكان الكفر في قلوبهم.
فقال أهل السنة: هذا يمنع منه قول الله: {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} .
قال ابن تيمية: وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ: إنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ بِلِسَانِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ أَوَّلًا بِقُلُوبِهِمْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِاللِّسَانِ مَعَ كُفْرِ الْقَلْبِ قَدْ قَارَنَهُ الْكُفْرُ فَلَا يُقَالُ: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا كَافِرِينَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
(1) - مجموع الفتاوى (7/ 220) .
(2) - مجموع الفتاوى (7/ 219) .