الصفحة 55 من 703

الوجه الثالث: أن اعتقاد حل السب [1] : كفر سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن. فإذن: لا أثر للسب في التكفير وجودًا وعدمًا وإنما المؤثر هو الاعتقاد وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء.

الوجه الرابع: أنه إذا كان المُكَفِّرُ هو اعتقاد الحل [2] فليس في السب ما يدل على أن الساب مستحل [3] فيجب أن لا يكفر لاسيما إذا قال: [أنا أعتقد أن هذا حرام و إنما أقول غيظًا وسفهًا أو عبثًا أو لعبًا] كما قال المنافقون: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] . وكما إذا قال: إنما قذفتُ هذا وكذبتُ عليه لعبًا وعبثًا. فإن قيل: لا يكونون كفارًا , فهو خلاف نص القرآن. وإن قيل: يكونون كفارًا فهو تكفير بغير موجب إذا لم يجعل نفس السب مُكَفِّرًا. وقول القائل: أنا لا أصدِّقُهُ في هذا: لا يستقيم، فإنَّ التكفير لا يكون بأمر محتمل , فإذا كان قد قال: [أنا أعتقد أن ذلك ذنب ومعصية وأنا أفعله] فكيف يكفر إن لم يكن ذلك كفرًا؟ و لهذا قال سبحانه وتعالى: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] , ولم يقل: قد كذبتم في قولكم إنما كنا نخوض ونلعب، فلم يكذِّبهم في هذا العذر كما كذَّبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين بَلْ بيَّن أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب [4] .

وإذا تبيَّن أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة في نفسها كفر استحلها صاحبها أو لم يستحلها فالدليل على ذلك جميع ما قدمناه في المسألة الأولى من الدليل على كفر الساب مثل قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ} [التوبة: 61] ... [5] أهـ.

قال مقيده: واحتج أهل السنة على المرجئة أيضًا بقول الله - عز وجل: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل: 61] .

(1) - فتح الباري (12/ 281) كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، بَابُ: إِذا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ أو غيره بسب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يصرح , نحو قوله: السَّام عليكم.

(2) - انتبه لهذه النقطة والتي ستظهر إن شاء الله واضحة جلية حينما نتعرض لمسألة تكفير مبدل الشرائع.

(3) - انتبه: هذه قرينة، فمتى نعدل عن التي لا تحتمل شيئًا إلا ما يدخلها الاحتمال؟ فإن قال لك شخص: أشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو سيد الأولين والآخرين وبَصَقَ، فإن قلت: أن البَصْقَ دليل على استحلال تَنَقُّص النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكلامه الصريح يُفيد خلاف ذلك. فهذا كلام شيخ الإسلام، وسوف أذكر لكم إن شاء الله كلام إسحاق ومحمد بن نصر في كتاب تعظيم قدر الصلاة، مع كلام ابن حزم في الفِصَل.

(4) - راجع باقي كلام ابن تيمية في هذا المبحث؛ لأنه بحث رائع ومهم، ولم نذكره لعدم الإطالة.

(5) - الصارم المسلول لابن تيمية ص 521.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت