الصفحة 50 من 703

شُهد به وصمم عليه فهو كافر بقوله واستحلاله هتك حرمة الله أو حُرْمَةَ نبيه وهذا أيضًا تثبيت منه بأن السب يَكْفُرُ به لأجل استحلاله لهُ إِذا لَمْ يكن في نفسه تكذيبًا

صريحًا].

وهذا موضع لابد من تحريره، ويجب أن يُعلم أن القول بأن: كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة. ويرحم الله القاضي أبا يعلى قد ذكر في غير موضع ما يناقِضُ ما قاله هنا وإنما وقع من وقع في هذه المهواة بما تلقوه من كلام طائفة من متأخري المتكلمين [1] ـ وهم الجهمية الإناث الذين ذهبوا مذهب الجهمية الأولى في أن الإيمان هو مجرد التصديق الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان ولم يقتض عملًا في القلب ولا في الجوارح ـ وصرح القاضي أبو يعلى هنا قال عَقِب أن ذكر ما حكيناه عنه:[وعلى هذا لو قال الكافر: أنا

(1) - انتبه لكلام لشيخ الإسلام، فكما قال: هذه زلةٌ منكَرَةٌ وهَفْوَةٌ عظيمة، مهما عَظُمَ قائلها، ومهما أكْنَنْا له من حب واحترام، فإننا نعتقد أن ليس هناك من عَصَمَهُ الله من الوقوع في الزَّلل، والشرع حاكمًا على الناس وليس أحدًا حاكمًا على الشرع، وهذا المَيْدان - كما ذكرتُ سابقًا: ليس مَيْدان اختراع وابتكار؛ فأهل السنة قد كَفَوْنا مئونة هذا الأمر، لئلا يُموِّه مُمَوِّهٌ بأن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. وقبل أن نذكر ما هو الذي أوقع من قال بهذه المقالة في هذه الزَّلة، يجب أن تعلم أن الناس قد اختلفوا في تعريف الإيمان:

-فمنهم من قال: الإيمان اعتقاد وقول وعمل، والمراد بالقول: قول اللسان وقول القلب، والمراد بالعمل: عمل القلب والجوارح.

وهذا مذهب عامة السَّلف من أهل السنة والجماعة، وهو مذهب الخوارج والمعتزلة، إلا أن المعتزلة والخوارج جعلوا الأعمال شرطًا في صحة الإيمان، ومن ثمَّ: كفَّروا العاصي، الخوارج كفروه في الدنيا والآخرة , والمعتزلة كفروه وحكموا بخلوده في النار في الآخرة، لكنهم في الدنيا لم يكفِّروه، وقالوا: هو ليس مؤمنًا ولا كافرًا، وأنزلوه منزلةً بين المنزلتين وهي (الفاسق الملِّي) .

-وذهب جماهير المرجئة إلى أن الإيمان: اعتقادٌ بالقلب وقول باللسان. والاعتقاد عندهم: التصديق؛ لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وقال الله - عز وجل - حاكيًا عن إخوة يوسف: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} [يوسف: 17] . أي: وما أنت بمصدقٍ لنا.

-وذهب غلاة المرجئة من الجهمية إلى أن الإيمان: اعتقاد القلب بغير نطق باللسان ولا عمل بالجوارح.

-وذهب الكرَّامية - أتباع محمد بن كرام - إلى أن الإيمان: قول باللسان بغيرِ تصديقٍ بالقلب.

إذن: المرجئة عمومًا اعتبروا بمسألة التصديق، فمنهم من قال: التصديق بالقلب، ومنهم من قال: التصديق باللسان، وقد ردَّ عليهم ابن حزم بأن قال: كذبتم؛ التصديق لا يُعرف عند العرب أبدًا بمن صدَّقَ بلسانه وكفر بقلبه، أو العكس، فلا بد أن يكون التصديق بالقلب واللسان.

وعلى قول المرجئة بأن الإيمان هو التصديق والمعرفة، فلا يكفر أحد إلا بالاستحلال؛ لأن التصديق ضده التكذيب.

-بينما ذهب أبو حنيفة وحماد بن أبي سليمان في طائفة من أهل الكوفة إلى أن الإيمان: اعتقاد بالقلب وقول باللسان لكن الأعمال لا تدخل في ماهية الإيمان، ففارقوا المرجئة الحقيقيين في أن المرجئة قالوا: لا يضرُّ مع الإيمان ذنب ولا ينفع معه طاعة، وأبو حنيفة ومن وافقه قالوا: العاصي سيدخل النار، والطائع سيدخل الجنة، فالأعمال شرائع الإيمان أو ثمرة الإيمان. لكنها ليست داخلة في ماهية الإيمان، ولذلك سُمُّوا بمرجئة أهل السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت