أنه يصدق في الحكم؛ لأن له غرضًا في فعل هذه الأشياء مع اعتقاده تحريمها وهو ما يتعجل من اللذة، قال: وإذا حكمنا بكفره فإنما نحكم به في ظاهرٍ من الحكم , فأما في الباطن فإن كان صادقًا فيما قال فهو مسلم، قلنا في الزنديق: [لا تقبل توبته في ظاهر الحكم] .
وذكر القاضي عن الفقهاء أن ساب النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كان مستحلًا كفر , وإن لم يكن مستحلًا فَسَقَ ولم يكفر كساب الصحابة، وهذا نظير ما يُحكى أن بعض الفقهاء من أهل العراق أفتى هارون أمير المؤمنين فيمن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجلده حتى أنكر ذلك مالك وردَّ هذه الفُتْيا مالك وهو نظير ما حكاه أبو محمد بن حزم أن بعض الناس لم يكفر المستخف به [1] .
وقد ذكر القاضي عياض بعد أن ردَّ هذه الحكاية عن بعض فقهاء العراق والخلاف الذي ذكره ابن حزم بما نقله من الإجماع عن غير واحد وحمل الحكاية على أن أولئك لم يكونوا ممن يوثق بفتواه لميل الهوى به، أو أن الفتوى كانت في كلمة اختلف في كونها سبًا، أو كانت فيمن تاب وذكر أن الساب إذا أقر بالسب ولم يتب منه، قُتِل كفرًا؛ لأن قوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه أو هو من كلمات الاستهزاء أو الذم فاعترافه بها وترك توبته منها دليل على استحلاله لذلك وهو كفر أيضًا، قال: فهذا كافر بلا خلاف. وقال في موضع آخر: [إن من قَتَلَهُ بلا استتابةٍ فهو لمْ يره ردة[2] وإنما يوجب القتل فيه حدًا وإنما نقول ذلك مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره الإقلاع عنه والتوبة ونقتلُهُ حدًا كالزنديق إذا تاب [3] ]قال: [ونحن و إن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك؛ لإقراره بالتوحيد وإنكاره ما شُهِدَ به عليه أو زَعْمِهِ أن ذلك كان منه ذهولًا ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه] قال: وأما من عُلِمَ أنه سبه معتقدًا لاستحلاله فلا شك في كفره بذلك وكذلك إن كان سبه في نفسه كفرًا كتكذيبه أو تكفيره ونحوه فهذا مما لا إشكال فيه. وكذلك من لم يُظْهِرِ التوبة واعترف بما
(1) - انتبه: ابن حزم حين ذكر أن بعض الناس لم يكفِّر المستخف بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: وأما من استخف بالله أو سبه فهذا كافر لا يخالف فيه أحد من أهل الإسلام أو من غيرهم.
(2) - لأن عند القاضي عِياض لابد للمرتد من أن يُستتاب، وحيث أن هذا الرجل قُتِلَ بغير استتابة، فهذا القتل حدًا.
(3) - الزنديق هو الذي يتكرر منه الكفر، واختلف أهل العلم في توبته، فالطرفان: مالك والشافعي، ذهب الشافعي إلى أنه تُقبل توبة الزنديق أبدًا، وهذا قول ضعيف في مذهب أحمد، وأحد قولَي أبو حنيفة، وذهب مالك إلى أنه لا تُقبل توبة الزنديق، فلابد أن يُقتل، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام، وهو مشهور مذهب أحمد، والقول الآخر لأبي حنيفة. وانتبه إلى أن القاضي عياض مالكي.