قال ابن تيمية: وقال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وهو أحد الأئمة يُعدل بالشافعي وأحمد: قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو دَفع شيئًا مما أنرل الله أو قتل نبيًا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرًا بما أنزل الله.
إذن: عندنا حتى الآن كلام شيخ الإسلام الذي عزاه إلى الفقهاء وأهل السنة والجماعة من أهل الحديث وغيرهم الذين يقولون إن الإيمان قول وعمل. وكلام إسحاق الذي حكى فيه الإجماع عن أهل العلم.
قال ابن تيمية: وكذلك قال محمد بن سحنون - وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك وزمنه قريب من هذه الطبقة: أجمع العلماء أن شاتم النبي - صلى الله عليه وسلم - المتَنَقِّص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأئمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر. وقد نص على مثل هذا غير واحد من الأئمة، قال أحمد في رواية عبد الله في رجل قال لرجل: يا ابن كذا وكذا - أعني أنت ومن خلقك [1] : هذا مرتد عن الإسلام نضرب عنقه. وقال في رواية عبد الله وأبي طالب: من شتم النبي - صلى الله عليه وسلم - قُتل وذلك أنه إذا شتم فقد ارتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم النبي - صلى الله عليه وسلم -. فبيَّن أن هذا مرتد وأن المسلم لا يُتصور أن يشتم وهو مسلم [2] وكذلك نُقِلَ [3] عن الشافعي أنه سُئِلَ عَمَّن هزل بشيءٍ من آيات الله تعالى أنه قال: هو كافر. واستدل بقول الله تعالى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 66] . وكذلك قال أصحابنا وغيرهم: سب الله كفر سواء كان مازحًا أو جادًا [4] ؛ لهذه الآية وهذا هو الصواب المقطوع به.
وقال القاضي أبو يعلى في المعتمد: من سب الله أو سب رسوله فإنه يكفر سواء استحل سبه أو لم يستحله فإن قال: لم أستحل ذلك، لم يقبل منه في ظاهر الحكم , رواية واحدة , وكان مرتدًا؛ لأن الظاهر خلاف ما أخبر؛ لأنه لا غرض له في سب الله و سب رسوله إلا أنه غير معتقد لعبادته غير مصدق بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ويفارق الشارب والقاتل والسارق إذا قال: أنا غير مستحل لذلك،
(1) - تأمل! فالذي يسب، لا يسب وهو فرحان وإنما يسب وهو غاضب، وابن القوصي قال: لا نكفره إن كان فرحًا أو كان غاضبًا!!! يعني حتى يكفر السَّاب لابد عندما يسب الرسول أن لا يكون غضبان وإنما يجلس هكذا لا يضحك ولا يبكي!!
(2) - لأنه لا يُتصور من مسلم أن يشتم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالمسلم دخل الإسلام بنطقه للشهادتين، والشهادتان توجِبَان تعظيم الخالق - عز وجل - وتعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسب منافٍ لهذا التعظيم تمامًا، فلا يمكن أن يجتمع تعظيم لشخص مع سبه وإهانته في نفس الوقت.
(3) - هذا الكلام موجود في الأم؛ لأن مسألة نُقِلَ فيها صيغة تمريض.
(4) - لاحظ أن مسألة الاعتقاد ليس لها هنا أصل.