-أما أن سبب نزول هذه الآية يأبى هذا الفهم ويدفعه، فقد روى الشيخان عن عبد الله بن الزُّبير أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى شِرَاجِ [1] الْحَرَّةِ [2] الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ. فَأَبَى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ. فَغَضِبَ الأَنْصَارِىُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فتلوَّن وَجْهُ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ.
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى ذَلِكَ {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} [3] .
(( قال مقيده ) ):
انتبه إلى كلمة الزبير ثانية:"وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى ذَلِكَ". احفظ هذه الكلمة في ذهنك الآن.
يقول:
يقول القرطبي: وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث فَفِقْهها أنه - عليه السلام - سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال:"اسق يا زبير"لقربه من الماء"ثم أرسل الماء إلى جارك". أي: تساهل في حقك ولا تستوفه، وعَجِّل في إرسال الماء إلى جارك.
فحضه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك وغضب؛ لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلًًا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال: آن كان ابن عمتك؟ بمد همزة (أن) المفتوحة على جهة الإنكار، أي أتحكم له عليَّ لأجل أنه قرابتك؟ فعند ذلك تلون وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - غضبًا عليه وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له. اهـ.
(1) -"الشِّراج": جمع شَرْجة وهى مسايل الماء.
(2) -"الحرة"موضع معروف بالمدينة، وهي أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنما أحرقت بالنار.
(3) - أخرجه البخاري (2231) في كتاب المساقاة، باب: سكر الأنهار، و (2232) باب: شرب الأعلى قبل الأسفل، و (2233) باب: شرب الأعلى إلى الكعبين، و (4309) في التفسير. ومسلم (6258) في كتاب الفضائل، باب: وُجُوبِ اتِّبَاعِه - صلى الله عليه وسلم -. وأبو داود (3639) في الأقضية، باب في القضاء. والترمذي (1363) في الأحكام، باب ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء، و (3027) في التفسير. والنسائي (5416) في كتاب آداب القضاة، باب: إشارة الحاكم بالرفق. وابن ماجة (15) في المقدمة، باب: تعظيم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتغليظ على من عارضه، و (2480) في كتاب الرهون، باب: الشرب من الأودية ومقدار حبس الماء.