انتبه إلى كلام ابن حزم، وانظر ماذا قال في نفس الآية، وتذكَّر أن علي حسن عبد الحميد امتدح ابن حزم، وذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية امتدحه.
قال ابن حزم: وقد قال - عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ (( (( (( (( (( (( (( 26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 25 - 28] .
فجعلهم تعالى مرتدين كفارًا بعد علمهم الحق وبعد أن تبيَّن لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط [1] ، وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم، ولم يقل تعالى أنها جحد أو تصديق [2] . بل قد صح أن في سرهم التصديق؛ لأن الهدى قد تبيَّن لهم , ومن تبيَّن له شيء فلا يمكن البتة أن يجحده بقلبه أصلًا، وأخبرنا تعالى أنه قد أحبط أعمالهم باتباعهم ما أسخطه وكراهيتهم رضوانه تبارك وتعالى [3] . اهـ.
هذا هو محل الشاهد من كلام ابن حزم على نفس هذه الآية.
ولاحظ أنك لم تجد ابن حزم ولا شيخ الإسلام في موضع واحد يحتج بقول الله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، إلا ويذكر فيها التفصيل.
وقال أيضًا: وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
فنص تعالى وأقسم بنفسه أن لا يكون مؤمنًا إلا بتحكيم النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل ما عَنَّ [4] ثم يسلم بقلبه،
(1) - لأنه يرد على المرجئة الذين يقولون:"الإيمان هو التصديق"، والذين قالوا أيضًا:"إذا نطق كلمة الكفر التي أجمعنا نحن وأنتم على أنها كلمة كفر، فهذا دليل على أنه معتقد الكفر في قلبه، يعني زال الإيمان الذي هو التصديق"فهو يرد عليهم في هذا الموضع لكن مبحث الإيمان لابن حزم، وردّ ابن حزم على المرجئة لابد أن نقرأه كاملًا، وأن ندرسه دراسة متأنية إن شاء الله - عز وجل -.
(2) - لكنه تصديق؛ لأن الجحد يا إخواننا كما بيَّنتُ مرارًا، لا يُمكن أن يقعَ بالقلب، وإنما هو باللسان فقط؛ لأن أي حقيقة تعرفها، لا يُمكن أن تردَّها من قلبك، وأن تغير هذه الحقيقة من قلبك.
(3) - الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحل (3/ 219) .
(4) - أي في كل ما عَرَضَ له.