الصفحة 271 من 703

إذا أردنا أن نصفي، فالأحاديث منها ما هو صحيح مقطوع بصحته، ومنها ما هو ضعيف مقطوع بضعفه، ومنها ما اختُلف في تصحيحه وتضعيفه، فالبعض يُضعف والآخر يصحح، وهذا وقع في القديم.

وتجد في الحديث أيضًا نفس الاختلاف، فكيف تكون التصفية أولًا إذا كانت هذه المسائل من السائل التي وقع فيها الاختلاف؟

خذ مثالًا على ذلك: حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه الإمام مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لاَ تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّةً إِلاَّ أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ [1] .

وهذا الحديث - كما قلتُ - في صحيح مسلم. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تذبحوا إلا مسنة، فإن لم تجدوا أو ليس في إمكانكم فاذبحوا جَذَعَة من الضأن.

والمسنة في مذهب جمهور أهل اللغة وجمهور أهل العلم هي ما أَتَمَّت سنتين سواء كان هذا في الخِراف أو في الماعز أو في البقر، وما أَتَمَّت خمس سنوات وشرعت في السادسة في الإبل.

الجزعة هي ما أتمت سنة في مذهب جمهور أهل اللغة وجمهور أهل العلم.

وحديث جابر هذا من طريق أبي الزبير عن جابر، وأبو الزبير مدلس من الطبقة الثالثة من المدلسين، والذي روى الحديث عن أبي الزبير ليسهو الليث بن سعد؛ لأن الليث بن سعد لمَّا أعطاه أبو الزبير أحاديثه عن جابر، الليث بن سعد سأله: هل سمعتَ كل هذه الأحاديث من جابر؟ فقال: لا. فقال له: علِّمْ لي على الأحاديث التي سمعتها من جابر، فعلَّم له على الأحاديث التي سمعها من جار بن عبد الله .

فإذن: أبو الزبير عن جابر، إن كان من رواية الليث بن سعد، فالتدليس مأمون؛ (( لأنه ) )لا يوجد تدليس.

فهذا الحديث من طريق زُهَيْر عن أبي الزبير عن جابر، يعني ليس من طريق الليث بن سعد.

وأبو الزبير عن جابر وقد عَنْعَنَ، فإذن: هذا الحديث إسناده منقطع.

فجاء جمهور العلماء (( ومنهم النووي ) )وأنا أقول جمهور العلماء بالفعل والمحدثين، فقالوا: إن مثل هذه الروايات محمولة على السماع، يعني أن الإمام مسلم ~ بما أوتي من خبرة ودقة في

(1) - أخرجه مسلم (5194) في باب الأضحية. وأبو داود (2799) في باب: مَا يَجُوزُ مِنَ السِّنِّ فِى الضَّحَايَا. وابن ماجة (3141) . والنسائي (4378) . وأحمد (14348، 14502) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت