وفي الصحيحين من حديث خَبَّاب بن الأَرَتِّ - رضي الله عنه - أنه قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ - وفي رواية:"وقد لقينا من المشركين شدة"، فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرْ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا. فَجَلَسَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِى الأَرْضِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ... [1] . ومعلوم ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فأصحابه - رضي الله عنهم - عُذِّبوا تعذيبًا شديدًا، ومنهم من تعرَّض للقتل كياسر وسُميَّة فهل يكون هذا حجة في ترك الدعوة إلى الله - عز وجل -، وتبيين المنهج الصحيح حتى تستبين سبيل المجرمين؟!.
يقول الشيخ ابن عثيمين ~:
إذن: ما الفائدة؟ حتى لو كان الإنسان يعتقد فيما بينه وبين ربه أن من هؤلاء الحكام من هو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة حقًا، فما الفائدة من إعلانه وإشاعته إلا إثارة الفتن؟ كلام الشيخ الألباني هذا جيد جدًا.
(( قال مقيده ) ):
يعني: إذن: المسألة في هذا المقام من مسائل الاجتهاد والنظر، وليست من الأصول، لكنَّا نقول - ما قلناه سابقًا: الدعوة إلى الله - عز وجل -، لو أن أحدًا أوذيَ فيها، فَسَيُؤذى الدعاة وأتباعهم كما أوذي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه. لكن علينا دائمًا أن نبرَأَ إلى الله - عز وجل - من الكفر والضلال فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سَلَمَة < الذي أخرجه الإمام مسلم: فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ [2] .
(( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ): أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ [3] .
(1) - أخرجه البخاري (3416) في المناقب، باب: علامات النبوة ... ، و (3639) في كتاب فضائل الصحابة، باب: ما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المشركين بمكة، و (3639) في كتاب اللباس، باب: البرود والحبرة والشملة، و (3416) في كتاب الاستئذان، باب: من اتكأ بين يدي أصحابه، و (6544) في كتاب الإكراه، باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر. وأبو داود (2651) في كتاب الجهاد، باب: فِى الأَسِيرِ يُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ. والنسائي (5320) في كتاب الزينة، لبس البرود. وأحمد (21057، 21073، 27217) .
وقد ذكر الشيخ أن الحديث في الصحيحين، وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (2307) : وأخرجه البخاري ومسلم، ولم أعثر عليه في مسلم، والله أعلم / المحقق.
(2) - أخرجه مسلم (4906) في كتاب الإمارة، باب: وُجُوبِ الإِنْكَارِ عَلَى الأُمَرَاءِ فِيمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا ...
(3) - صحيح: أخرجه ابن ماجة (4012) في الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والنسائي (4209) في كتاب البيعة، باب: فضل من تكلم بالحق عند إمام جائر، وأحمد (18828، 18830، 22158) . من حديث أَبِي أُمَامَة.