فإذا قال الله - عز وجل: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] ، فإما أن يُراد ثلاثة أطهار كما يقول الشافعي، أو يُراد ثلاث حِيَض كما يقول أبو حنيفة وغيره. فنحن لا نستطيع أن نقول: هذا القول أَصْوَب أو هذا القول أَصْوَب إلا إذا جاء نَصٌ يبيِّن مراد الله - عز وجل -، هل الأطهار هي التي تُعتبر في العدد، أم الحيضات؟
(( فلو قلنا: إن لفظة الكفر لفظة مشتركة ) )فانظر إلى الخطأ: إذن: لفظة الكفر في كتاب الله - عز وجل - في جميع المواضع لفظة مجملة حتى نعلم (( هل يراد بها: الكفر الأكبر أم الأصغر ) ).
فإذا قال الله - عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73] ، ما المراد؟ (( إذا قلنا: المراد هو الكفر الأكبر ) )فنكون بذلك رجَّحنا أحد معنيين المشترك، (( لكن ) )بأي دليل؟
لن تجدَ أمامك إلا الإجماع، فعندما يأتي واحد من أهل العلم ويقول: الإجماع ليس حجة، وحتى لو كان الإجماع حجة فهناك استحالة في كيفية ثبوته، وهذا كلام ابن حزم و الشوكاني، واحتج ابن حزم بقول الإمام أحمد ~: من زعم الإجماع في مسألة فقد كَذَب، فإنه لا يدري لعل الناس اختلفوا.
فإذن: بذلك سنخرجُ الكتاب من دِلالته على كفر هؤلاء إلا بدليل الإجماع، فعندما يأتي واحد ويطعن في الإجماع أو في كيفية ثبوته، سيلزم من ذلك ضياع الشريعة.
ففي الحالة الثانية، إن قال: نعم، الذي رجح أحد معنيي هذه اللفظة المشتركة المُجمَلة: الإجماع. من قال بهذا؟!!!
لن تجد، وستجد أن أهل الإسلام قاطبة أجمعوا على أن اليهود والنَّصارى كفار كفرًا أكبر مخرجًَا من الملة استنادًا إلى النص، فإذن: النص لا يحتاج إلى الإجماع، ويحدثُ قَلْب، بل الإجماع هو الذي استند إلى هذه النصوص.
لكن لو قلنا: تُحمل اللفظة عند الإطلاق على معناها الحقيقي الذي ورد في عرف الشرع إلا أن يصرفها عن هذا المعنى: نصٌ أو إجماع. هذا هو السبيل الذي سَلَكَه أهل العلم، وسأذكر [1] كلامًا بعد القليل للشيخ ابن عثيمين ~؛ لنناقش هذا الكلام. مع أن الشيخ ابن عثيمين - وانتبه - كلامه ليس منصرفًا إلى مذهبنا؛ مذهبنا كمذهبه، لكن اعْتَد من نفسك أن تناقش دائمًا كلام أهل
(1) - تم استبدال كلمة"سأقرأ"بـ"سأذكر"/ المحقق.