وفتنة التكفير كان السبب فيها الخوارج، فليس كل من كَفَّر حاكمًا يكون خارجيًا، وإلا فنحن نعلم أنه بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أضاف ناسٌ إلى دينه - صلى الله عليه وسلم - أشياء اعتبرهم الصحابة بها مرتدين. فنحن كما نعلم كيف كان خروج الخوارج نعلم أيضًا حروب الرِّدة التي قادها الصِّديق، وكيف أن الشبهة عَرَضَت لابن الخطاب - رضي الله عنه -؛ لتعلم أن الإنسان مهما بلغ من العلم، ومهما بَلَغَ من الرِّفعة في الدِّين قد يقع في الخطأ. فأنكَرَ عمر - رضي الله عنه - على الصِّديق وقال: كيف تقتل قومًا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وقد سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ [1] ... ؟!
إلى أن قال:"فوالله ما هو إلا أن شرح اللهُ صدرَ أبي بكرٍ حتى عرفتُ أنه الحق"مع أن النصوص واضحة في هذا الباب كحديث ابن عمر السابق"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
لكن الخوارج هم الذين كفَّروا عليَّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - في أمرٍ ظنُّوه كفرًا، وليس كذلك.
وهم الذين - كما قال ابن عمر -: يحملون النصوص التي وَرَدَت في الكفَّار على أهل الإسلام.
وهم الذين يستقلُّون بأفهامهم بغير أن يرجعوا إلى أفهام الأجِلَّاء من أهل العلم.
ثم هم - كما قال ابن مهدي: الذين يذكرون ما لهم ولا يذكرون ما عليهم، فهم أهل الأهواء حقًا.
قال:
والسبب في هذا يعود إلى أمرين اثنين:
أحدهما هو: ضحالة العلم.
(1) فهم يقولون: نحن لسنا بالخوارج، والحق أن الأسماء لا تغير من حقائق المسميات شيئًا، وهؤلاء يلتقون - من جملة ما يلتقون به - مع الخوارج في مسألة تكفير أصحاب الكبائر.
-أخرجه البخاري (25) في كتاب الإيمان: باب: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] . ومسلم (138) في كتاب الإيمان، باب: الأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه.