الصفحة 153 من 703

هذا خطأ، وإن شئت فراجع حديث أبي هريرة بالتفصيل في الفتح [1] ستجد أن الله - عز وجل - يأمر بالإخراج فيكون كمن أخرج، كما أن السلطان الظالم يأمر بقتل فلان فيكون هو القاتل وذلك مثل أن تقول: الحجاج قتل مائة ألف، فليس هو الذي قتلهم بنفسه وإنما عسكر الحجاج بأمره هم الذين قَتَلوا. فلا تظن أن الله - عز وجل - عندما يقول للمؤمنين: أخرجوهم من النار أن المؤمنين هم الذين سيخرجونهم من النار، الملائكة هي التي ستخرجهم؛ لأن الروايات تدل على هذا.

فكذلك حين يقبض الله - عز وجل - قبضةً أو قبضتين من النار، يأمر الملائكة بالإخراج، وذلك مثل قول الله - عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر: 42] . لكن الملائكة هم الذين باشروا الفعل بإذن الله وحوله وقوته، بدليل قوله - عز وجل: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] . فأُسند الأمر إليه.

إذن: الذي جزم به الشيخ الألباني ليس بصحيح.

قال الشيخ الألباني:

مباحثات ومناقشات:

وعلى ذلك فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة إذا مات مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله: أنه لا يخلد في النار مع المشركين ...

قال مقيده:

بعد ما ذكرناه لا يعدُّ ذلك دليلًا. فهذا الحديث من العمومات التي لا يُحتج بها مع وجود الدليل الخاص، وينبغي أن نتذكر دائمًا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن الذين لم يُكفِّروا تارك الصلاة ليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك بغير جحود بالإضافة إلى أنهم احتجوا بعمومات فشابهوا بذلك المرجئة مع وجود الأدلة الخاصة التي وردت في محل النزاع [2] .

قال الشيخ الألباني:

وعلى ذلك فالحديث دليل قاطع على أن تارك الصلاة إذا مات مسلمًا يشهد أن لا إله إلا الله: أنه لا يخلد في النار مع المشركين؛ ففيه دليل قوي جدًا أنه داخل تحت مشيئة الله تعالى في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وقد روى الإمام أحمد في مسنده (6/ 240) حديثًا صريحًا في هذا من رواية عائشة - رضي الله عنها - مرفوعا بلفظ: الدواوين عند الله - عز وجل - ثلاثة ... الحديث، وفيه: فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال - عز وجل: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72] . وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها فإن الله - عز وجل - يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء. الحديث وقد صححه الحاكم (4/ 576) .

وهذا وإن كان غير مسلَّم عندي لما بيَّنته في تخريج الطحاوية (ص 367 - الطبعة الرابعة) فإنه يشهد له هذا الحديث الصحيح فتنبه.

قال مقيده:

أولًا: لفظة: (( أو صلاة تركها ) )ليست ثابتة في الحديث، والشيخ الألباني نفسه معترف بذلك؛ لأن هذه اللفظ وردت من طريق راوٍ مجهول.

ثانيًا: الشاهد لهذه اللفظة عام من العمومات وليس نصًا في هذه المسألة.

ثالثًا: هذا العام قد بيَّنا ما في الاستدلال به على مسألتنا هذه.

رابعًا: إن كان الأمر على هذا النحو، فنحن عندنا حديث جابر في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة [3] . وعندنا أيضًا: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر [4] أو: ... فمن تركها فقد أشرك [5] . فلماذا لا نصحح حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في المسند: ... وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاة وَكَانَ يَوْمَ

(1) - قال الحافظ ابن حجر: قوله: (( أمر الملائكة أن يخرجوهم ) )في حديث أبي سعيد: (( اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار فأخرجوه ) )وتقدم في حديث أنس في الشفاعة في الباب قبله: (( فيحد لي حدا فأخرجهم ) )ويُجْمع بأن الملائكة يؤمرون على ألسنة الرسل بذلك، فالذين يباشرون الإخراج هم الملائكة. أهـ. فتح الباري (15/ 150) كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم حديث رقم: (6573) . طبعة دار طَيْبَة.

(2) - انظر كلام ابن تيمية بلفظه صـ: 152.

(3) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (82) , سنن الترمذي الإيمان (2620) ,سنن أبو داود السنة (4678) , سنن ابن ماجة إقامة الصلاة والسنة فيها (1078) , مسند أحمد بن حنبل (3/ 370) , سنن الدارمي الصلاة (1233) .

(4) - رواه أحمد (5/ 346) , والترمذي (2623) , وابن ماجة (1079) وغيرهم عن بريدة. وقال الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان , ص 15 لابن أبي شيبة: إسناده صحيح على شرط مسلم.

(5) - أخرجه ابن ماجة عن أنس وصححه الألباني في صحيح الترغيب رقم: (565 و 567) وصحيح الجامع رقم: (5388) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت