أما قول الشوكاني: على أن في الآية الأولى ما يمنع من حملها على أن المراد بالرجس: النجس وذلك اقتران الخمر بالميسر والأنصاب والأزلام فإنها طاهرة بالإجماع. أهـ من نيل الأوطار
الجواب: أن الشوكاني نفسه يقول إن دلالة الإقتران ضعيفة، فدائمًا ندندن بهذه القاعدة.
وإن شئت فراجع قول النبي في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: غُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه.
فلما قيل: السواك ليس واجبًا ومس الطيب ليس واجبًا فكذلك غسل الجمعة ليس واجبًا؛ لأنه مذكور معهم في نص واحد. أجاب عليهم الشوكاني بأن هذا أخذ بدلالة الإقتران، ودلالة الإقتران ضعيفة.
ومما سبق تعلم أن الذين يطمئنون إلي هذا الأمر ويترطبون بالخمر، أعني استخدام الروائح والعطور المشتملة علي الخمر بيقين، هذه مجاذفة منهم كبيرة.
هذه النقطة هي التي أحببت أن أصل إليها، أن الحكم بنجاسة الخمر أو عدم نجاسة الخمر، هذه مسألة أقل أحوالها أن تكون مُشْكَلة أو تكون من المشتبهات.
لكنك بعدما سمعت من كلام أهل العلم، إذا وجدت قوله تعالي: فَاجْتَنِبُوهُ، تعلم أن هذا يقتضي البعد عنه تمامًا.
وهناك دليل آخر استدل به الجمهور علي نجاسة الخمر لكن لا دلالة فيه وهو ما أخرجه البخاري من حديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال يا رسول الله إنا بأرض قوم أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم؟ فقال: إن وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها.
وهذا الحديث له طريق آخرعند أبو داود وأحمد وهي علي شرط البخاري أيضًا أن أبي ثعلبة قال: إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِى قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِى آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وكلوا فيها وَاطْبُخُوا.
فقال الجمهور: هذا دليل علي نجاسة هذه الآنية؛ لأن النبي أمرهم بغسلها.
لكن في الحقيقة هذا الدليل لا يسلم للجمهور؛ لأن الخمر يحرم تناوله علي المسلم وكذلك الخنزير يحرم تناوله علي المسلم، فيكون غسل هذه الآنية للاحتراز عن أكل الخنزير أو شرب الخمر الموجود في آنيتهم وقدورهم، فالدليل محتمل وعند الاحتمال يسقط الاستدلال وتبقي الآية.