فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 131

بل إن ابن دقيق العيد في حالة الألفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة قال: إن لم يأت نص يوضح أي المعنيين مراد وأمكن الجمع بين المعنيين كان هذا حَسَن. مثل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، فلو فرض أنه لم يأت دليل يبين أن المراد بالقروء الأطهار ... - علي قول من يقول أن الأطهار هي القروء المذكورة في الآية - ولم يأت دليل آخر يبين أن المراد بالقروء الحيضات - علي قول من يقول بأن القَرء هو الحيض - ففي هذه الحالة يجب عليه أن يعمل بالمعنيين، أي أن المطلقة في هذه الحالة تتربص ثلاثة أطهار وثلاث حيضات.

فلا تقول أن هذا من قبيل المجمل؛ لأنك متيقن أن الله أوجب علي المرأة إذا طلقت أن تعتد بثلاثة أقراء - هذا أمر متيقن - لكن الغير معروف هنا هو: هل المراد بالقروء الحيضات أم الأطهار؟ ففي هذه الحالة يعمل بالمعنيين ليخرج من العهدة بيقين.

كذلك عندما يقول النبي: فإذا غاب الشفق فصل العشاء، مثلًا. إن كانت كلمة شفق تطلق علي الأحمر والأبيض فتكون هذه لفظة مشتركة. فلو لم يأت دليل يبين أن المراد هو الشفق الأحمر لكان الواجب أن لا تصح صلاة العشاء إلا بعد غياب الشفق الأبيض؛ لأن الشفق الأبيض هو الذي يكون بعد الأحمر.

لكن هناك أدلة دلت علي أن المراد الشفق الأحمر، وأدلة دلت أن المراد بالقَرء الحيض.

أنا ذكرت لك هذه المسألة لأبين أن الأكثرين من جهة الدليل ومن جهة اللغة [1] ذهبوا إلي أن اللفظة المشتركة بين معانٍ لاتتضاد تحمل علي جميع معانيها.

في هذا الموضع الذي نحن فيه، قوله تعالي: رِجْسًا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ، لو ثبت أن الرجس في اللغة يطلق علي النَّجّس أيضًا - وهذا كما سمعت قول الأئمة الأربعة وجماهير أهل العلم - ويطلق علي القَذَر ولم يبين نص آخر أيُّ المعنيين مراد، وجب في هذه الحالة الحمل علي المعنيين. خصوصًا أن النجاسة أعم من القذارة؛ لأن كل نجس قذر وليس كل قذر نجس. فالنجاسة أعم من القذارة، فأنت تستخدم اللفظ الأعم الذي ينطوي تحته اللفظ الأخص منه.

(1) 1 - قال سيبويه: قد يستعمل اللفظان في الدعاء علي الغير وفي الإخبار عن حال المدعو عليه مثل: ويل له، لعنه الله. أي أن الله أوقع عليه اللعنة - إخبار عن الحال - أو لعنه الله بمعني: أسأل الله أن يلعنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت