والآخر قد دخلته الصنعة، فإن مالكا يرى في كثير منها أن الصنعة تنقله من الجنس: أعني من أن يكون جنسا واحدا فيجيز فيها التفاضل، وفي بعضها ليس يرى ذلك، وتفصيل مذهبه في ذلك عسير الانفصال، فاللحم المشوي والمطبوخ عنده من جنس واحد، والحنطة المقلوة عنده وغير المقلوة جنسان، وقد رام أصحابه التفصيل في ذلك، والظاهر من مذهبه أن ليس في ذلك قانون من قوله حتى تنحصر فيه أقواله فيها، وقد رام حصرها الباجِي في المنتقى، وكذلك أيضا يعسر حصر المنافع التي توجب عنده الاتفاق في شئ من الاجناس التي يقع بها التعامل، وتمييزها من التي لا توجب ذلك: أعني في الحيوان والعروض والنبات، وسبب العسر أن الانسان إذا سئل عن أشياء متشابهة في أوقات مختلفة ولم يكن عنده قانون يعمل عليه في تمييزها إلا ما يعطيه بادئ النظر في الحال جاوب فيها بجوابات مختلفة، فإذا جاء من بعده أحد فرام أن يجري تلك الاجوبة على قانون واحد وأصل واحد عسر ذلك عليه، وأنت تتبين ذلك من كتبهم، فهذه هي أمهات هذا الباب.
المسألة: السادسة: بيع الربوي الرطب بجنسه من اليابس مع وجود التماثل
مثل: كيلو تمر بكيلو رطب
لا يجوز عند الجمهور وهذا هو الصواب لصحة الأحاديث الواردة في ذلك أشهرها: ... غرر
مارواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر أنه قال:
نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ أوالمزابنةَ أنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَتْ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
-يضاف إلي ماسبق ما رواه الخمسة من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعت رسول الله يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم فنهى عن ذلك [1] .
وأما القول الثاني: الجواز وهو قول أبو حنيفة وقد أجاب عن ما سبق أن:
(1) - صححه الترمذي وعلي بن المديني وابن خزيمة والحاكم وابن حبان ومالك، وقد طعن في إسناد هذا الحديث الطحاوي بأن فيه زيد بن أبي عياش وهو مجهول. كيف؟ وقد قال الدارقُطْني: فيه: ثقة ثبت، ووثقه ابن حبان وروي عنه جمع من الثقات، وقال المنذري: هذا الحديث رواه مالك وغيره من الثقات من حديث زيد بن أبي عياش ومالك رحمه الله شديد الإنتقاء للرجال.