وعن أحمد رواية أخري أنه جائز وبه قال ربيعة ومالك وحكي عن النخعي وقتادة وابن شبرمة وإسحاق وأبي ثور؛ لأن الدقيق نفس الحنطة وإنما تكسرت أجزائها فجاز بيع بعضها ببعض كالحنطة المكسرة بالصحاح.
فعلي هذا إنما تباع الحنطة بالدقيق وزنًا؛ لأنها قد تفرقت أجزاؤها بالطحن وانتشرت فتأخذ من المكيال مكانًا كبيرًا، والحنطة تأخذ مكانًا صغيرًا والوزن يسوي بينهما وبهذا قال إسحاق [1] .
قال ابن قدامة: ولنا أن بيع الحنطة بالدقيق بيع للحنطة بجنسها متفاضلا فحرم كبيع مكيلة بمكيلتين وذلك؛ لأن الطحن قد فرق أجزاءها فيحصل في مكيالها دون ما يحصل في مكيال الحنطة وإن لم يتحقق التفاضل فقد جهل التماثل والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه ولذلك لم يجز بيع بعضها ببعض جزافا وتساويهما في الوزن لا يلزم منه التساوي في الكيل والحنطة والدقيق مكيلان؛ لأن الأصل الكيل ولم يوجد ما ينقل عنه ولأن الدقيق يشبه المكيلات فكان مكيلا كالحنطة ثم لو كان موزونا لم يتحقق التساوي بين المكيل والموزون؛ لأن المكيل لا يقدر بالوزن كما لا يقدر الموزون بالكيل. أهـ من المغني
قال مقيده: الفيصل في ذلك القاعدة التي تقررت سالفًا وهي: أن الشئ الذي ورد فيه حكم شرعي إن اعتراه تغير لا يزيل عنه الاسم بقي حكمه الشرعي كما هو فإن زال عنه الاسم زال عنه الحكم.
وإذا كان الأمر كذلك فالراجح قول أهل الظاهر أنه يجوز بيع القمح بدقيقه متماثلًا ومتفاضلًا ونقدًا ونسيئة.
وقد قال ابن حزم كلامًا يعد بمثابة خلاصة أبواب الربا لفظه ما يلي:
وَجَائِزٌ بَيْعُ الْقَمْحِ بِدَقِيقِ الْقَمْحِ وَسَوِيقِ الْقَمْحِ وَبِخُبْزِ الْقَمْحِ وَدَقِيقِ الْقَمْحِ بِدَقِيقِهِ وَبِسَوِيقِهِ وَخُبْزِهِ، وَسَوِيقِهِ بِسَوِيقِهِ وَبِخُبْزِهِ، وَخُبْزِ الْقَمْحِ بِخُبْزِ الْقَمْحِ، مُتَفَاضِلًا كُلُّ ذَلِكَ، وَمُتَمَاثِلًا، وَجُزَافًا وَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ وَالزَّيْتُونِ، وَالزَّيْتِ بِالزَّيْتِ، وَالْعِنَبِ بِالْعِنَبِ وَبِالْعَصِيرِ، وَبِخَلِّ الْعِنَبِ بِالْخَلِّ، يَدًا بِيَدٍ وَأَنْ يُسَلَّمَ كُلُّ مَا ذَكَرْنَا بَعْضُهُ فِي بَعْضِ. وَكَذَلِكَ دَقِيقُ الشَّعِيرِ بِالْقَمْحِ وَبِالشَّعِيرِ وَبِدَقِيقِ الشَّعِيرِ وَبِخُبْزِهِ، وَالتِّينِ بِالتِّينِ، وَالزَّبِيبِ
(1) 1 - المغني.