فقال مالك: اللحوم ثلاثة أصناف: فلحم ذوات الاربع، ولحم ذوات الماء صنف، ولحم الطير كله صنف واحد أيضا، وهذه الثلاثة الاصناف مختلفة يجوز فيها التفاضل، وقال أبو حنيفة: كل واحد من هذه هو أنواع كثيرة، والتفاضل فيها جائز إلا في النوع الواحد بعينه، وللشافعي قولان: أحدهما مثل قول أبي حنيفة، والآخر أن جميعها صنف واحد.
قال مقيده: وهذه العلل التي استنبطها هؤلاء العلماء لا دليل عليها وإنما اعتمدوا علي قياس الشبه. والصواب هو: مذهب ابن حزم أن كل ذلك يجوز فيه التفاضل والنَّساء.
المسألة الثالثة: بيع الحيوان بالميت أي بيع اللحم بالحيوان
قال ابن رشد:
واختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: قول إنه لا يجوز بإطلاق، وهو قول الشافعي [1] والليث، وقول إنه يجوز في الاجناس المختلفة التي يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز ذلك في المتفقة أعني الربوية لمكان الجهل الذي فيها من طريق التفاضل، وذلك في التي المقصود منها الاكل، وهو قول مالك،. فلا يجوز شاة مذبوحة بشاة تراد للأكل، وذلك عنده في الحيوان المأكول: حتى أنه لا يجيز الحي بالحي إذا كان المقصود الأكل من أحدهما، فهي عنده من هذا الباب، أعني أن امتناع ذلك عنده من جهة الربا والمزابنة، وقول ثالث أنه يجوز مطلقًا، وبه قال أبو حنيفة. وسبب الخلاف: معارضة الأصول في هذا الباب لمرسل سعيد بن المسيب، وذلك أن مالكًا روى عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب أن رسول الله نهى عن بيع الحيوان باللحم [2] فمن لم تنقدح عنده معارضة هذا الحديث لأصل من أصول البيوع التي توجب التحريم قال به، ومن رأى أن الاصول معارضة له وجب عليه أحد أمرين: إما أن يغلِّب الحديث فيجعله أصلا زائدا بنفسه أو يرده لمكان معارضة الاصول له، فالشافعي غلب الحديث وأبو حنيفة غلب الاصول، ومالك رده إلى أصوله في البيوع، فجعل البيع فيه من باب الربا. ...
قال مقيده: الحديث الصحيح أصل بنفسه ولو صح هذا الحديث لكان مذهب الشافعي هو الراجح، والذي يظهر لي أنه ليس صحيحًا ولا حسنًا لغيره؛ لأنه ورد من طرق:
(1) - حتي أن عند الشافعي لا يجوز بيع العبد باللحم.
(2) - وهذا الحديث حسنه الألباني والشوكاني في نيل الأوطار بمجموع الطرق.