(أما بعد، يا عائشة، فإنه قدبلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفريالله وتوبي إليه؛ فإن العبد
إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه)(فلما سمعت قوله جفّت دموعها، والتفتت إلى أبيها فقالت:"أجب رسول الله فيماقال"
"، فقال:"والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -"،ثم التفتت إلى أمّها فكان جوابها كجواب أبيها، وعندها قالت:"
"لقد سمعتم هذاالحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم أني منه بريئة - والله يعلمأني منه بريئة - لا تصدقوني بذلك"
ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منهبريئة - لتصدقنّني، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا قول أبي يوسف حين قال:
)فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (يوسف: 18 (وإذا بالوحي يتنزل من السماء يحمل البراءةالدائمة، والحجة الدامغة في تسع آيات بيّنات، تشهد بطهرها وعفافها، وتكشف حقيقةالمنافقين، فقال تعالى:
(إِن الذين جاءوا بالإفك عصبَة منكم لا تحسبوه شَرالكم بل هو خير لكم لكل امرِئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذابعظيم(
)النور: 11) وانفرج الكرب، وتحوّل حزن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرحًا، فقال لها) أبشري يا عائشة، أمّا الله عز وجل فقد برّأك)، وقالتلها أمها:"قومي إليه"، فقالت عائشة رضي الله عنها امتنانًا
بتبرئة الله لها، وثقةً بمكانتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحبته لها:
"والله لاأقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عزوجل"
وها هو عمير ابن سعيد فتى تجاوز العاشره من عمره بقليل مات ابوه وتزوجت امه من رجل اسمه الجلاس ابن سويد ولقد لقي عمير من بر الجلاس وحسن رعايته وجميل عطفه ما جعله ينسى أنه يتيم، فأحبعمير الجلاس حب الابن لأبيه، كما أولع الجلاس بعمير ولع الوالد بولدهلما كان يرى من أمارات الفطنة والنجابة هذا الطفل الصغير كان لا يتأخَّر عن صلاة خلف رسول الله