ومن شأن هذه التنظيمات القضائية التي شهدها المغرب في فترات مختلفة أن تأسس لقضاء مغربي منظم ومستمر، لولا ظهور عوامل تحول دون ذلك ، كالفتن والتقلبات السياسية .
غير أن بعض المناطق عرفت القضاء العرفي إلى جانب القضاء الشرعي المطبق في الأحوال الشخصية والنزاعات العقارية والإرث ، وكثيرا من هذه الأعراف حصلت على موافقة السلاطين كالمنصور السعدي والحسن الأول (1) .
ويظهر التعلق بهذه الأعراف في البوادي المغربية إلا أن قوتها تتجلى بشكل واضح بمنطقة سوس في الجنوب المغربي، حيث يتولى أعيان الجماعة « الفصل في الجنايات وبعض المسائل المدنية وما يحدث في الأسواق من الغش والنقص في الكيل والوزن (2) » بمقتضى الأعراف المحلية، ويطلق على هؤلاء بلسان أهل المنطقة:"إنفلاس"على صيغة جمع التكسير في اللسان العربي ، وهذه القوانين العرفية تدون في رسوم (3) أو ألواح يحتفظ بها عند الأعيان ، وهي قديمة في هذه المنطقة ، ويرجع تاريخ أقدم لوح عثر عليه إلى سنة 904هـ الموافق 1498م (4) قال الإكراري في"روضة الأفنان": « ومن عادة سوس الأقصى من وادي ألغس إلى الساقية الحمراء - لخلوه من أحكام السلطان - أن عينوا لمن يباشر أمورهم والفصل بينهم عوارف يسمونهم"النفاليس"وهم في الحقيقة مفاليس إن لم تقل أباليس ، يكتبون عقدا يسمى"عرفا"، وليته يسمى"نكرا"، يقولون فيه: من فعل كذا يعطي كذا ، وتركوا أحكام الشريعة وراء » (5)
(1) - انظر: العرف والعمل في المذهب المالكي لعمر الجيدي: 237 ، 238
(2) - ألواح جزولة لمحمد العثماني ، ص: 87
(3) - انظر: تطور النظام القضائي بأيت باعمران للمختار لبيب ، رسالة دبلوم الدراسات العليا مرقونة بخزانة كلية الشريعة بأكادير ، المغرب
(4) - انظر ألواح جزولة: 105 .
(5) - روضة الأفنان في وفيات الأعيان لمحمد أحمد الأكراري ص: 107