وذلك أن كثيرا من المسائل لم يقل بها الحنفية ابتداء ، وذلك كالتفريق للغيبة والهجر والعجز عن دفع النفقة والمهر والتفريق للسجن والعيوب المانعة من الدخول بالمرأة والتفريق للشرط ، وغير ذلك من المسائل ، فحينما تستجد مسائل وحوادث ونوازل أمام المحاكم لم يعالجها القانون ، ولا حكم لها في المذهب الحنفي ، يكون لزاما على القاضي الرجوع فيها إلى المذهب الفقهي الذي استمد منه القانون أصل المادة لمعرفة الآراء الفقهية في الواقعة المعروضة ، وتحديد الأقرب للتشريع ؛ ثم إنزال الحكم الشرعي على الواقعة المعروضة ، ومثال ذلك: إذا طلبت الزوجة التفريق لغياب زوجها عنها ؛ فادعى الزوج أن غيابه كان لسبب مشروع كالعمل مثلا ، فهل يقبل قول الزوج على إطلاقه ، أم لا بد من شروط وضوابط يجب أن تتحقق حتى يعد عمل الزوج سببا مشروعا لغيابه .
المجال الثاني: الاجتهاد في تفسير نصوص القانون ، وتطبيقها على القضايا والوقائع التي تعرض على القضاة وذلك أن تطبيق النص القانوني على الواقعة مرتب على فهمه وتفسيره أولا ، وأن النص القانوني قد يكتنفه خطأ مادي ، أو خفاء في العبارة ، أو إجمال في اللفظ أو نقص في التركيب ، وهنا لابد للقاضي من الاجتهاد في تفسير النص لإزالة الإبهام الذي يكتنفه ، لتصحيح الخطأ المادي ، أو إزالة الخفاء أو بيان المجمل ، أو تكميل النقص .
وعند وجود نص قانوني بحاجة إلى تفسير يرجع القاضي في تفسيره إلى أحكام المذهب الفقهي الذي استمد ذلك النص القانوني منه ، كما أنه يستفاد من قواعد علم أصول الفقه في تفسير النصوص التي بحاجة لبيان عن طريق مبحث دلالات الألفاظ ، والتعمق في المصطلحات اللغوية ، والمصطلحات الفقهية ، والمذكرات الإيضاحية عند وجودها .