ب ـ و أما في مصر: فقد كان القضاءُ الشرعيُّ قديمًا القضاءَ العادي الوحيد في مصر، ولكن إبان العهد العثماني تألفت المحاكم النظامية، وضيق اختصاص المحاكم الشرعية تدريجيًا. وعلى أثر تأسيس المحاكم المختلطة والقنصلية، تنظمت المحاكم الأهلية بلائحة أولى في سنة 1883، وأعيد تنظيمها بلائحة ثانية، ولما أُلغيت المحاكم المختلطة سنة 1949، أصبحت المحاكم الأهلية المحاكمَ العادية الوحيدة في مصر. و بصدور القوانين الجديدة وتنظيم المحاكم الأهلية والمختلطة، انحصر اختصاص المحاكم الشرعية وأحكام الشريعة بقضايا الأحوال الشخصية، للملمين فقط، فأصبحت في صف واحد هي ومحاكم الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية والإسرائيلية المصرية، وإن يكن اختصاصها فيما بقي لها أوسع قليلًا من اختصاص المحاكم المذكورة. وفي هذه المرحلة تبدل الحال تمامًا حيث لم يعد يشترط في القاضي في الدولة الإسلامية أن يكون مسلمًا.
وأما غير المسلمين من المصريين، فكل طائفة منهم تخضع في مسائل الأحوال الشخصية إلى قانونها الخاص وإلى مجلس ملَّتها. أما قضايا الأحوال الشخصية المتعلقة بالأجانب (غير المصريين) ، فإنها أصبحت بعد إلغاء المحاكم المختلطة من اختصاص المحاكم الأهلية المدنية ( [52] ) .
ويتلخص مركز الأجانب (وهم المستأمنون بالتعبير الفقهي الإسلامي) في مصر ـ قبل التقنينات الحاليةـ في أنه كان في بداية الأمر يسري عليه ما يسري على غير المسلمين عامة، أي إنه كان يعامل معاملة أهل الذمة المصريين باعتباره غير مسلم، ثم في فترة لاحقة وفي ظل الامتيازات الأجنبية خضع للمحاكم القنصلية، ثم للمحاكم المختلطة كمرحلة أولى في سبيل إخضاع الأجنبي لولاية القانون الوطني المصري، ثم في مرحلة أخيرة وبإلغاء الامتيازات الأجنبية، أصبح في ولاية القضاء المصري.